«الاستبداد الرمزي» .. تسلط المجتمع وسطوة عاداته على الفرد

«الاستبداد الرمزي» .. تسلط المجتمع وسطوة عاداته على الفرد
«الاستبداد الرمزي» .. تسلط المجتمع وسطوة عاداته على الفرد

القضية التي يطرحها كتاب "الاستبداد الرمزي"، تأليف د. شاكر شاهين، الذي صدر عن منشورات ضفاف. هي في كيفية استعمال الحاكم الاستبداد الرمزي الذي ينشط بفاعلية غير مرئية لتقييد معارضيه وأسر شعبه. الحاكم يستبد على شعبه من حيث لا يشعرون. ثم في مرحلة لاحقة كيف يتحول هذا الاستبداد الرمزي من الحاكم إلى المجتمع ومن شكله السياسي إلى المجتمعي، وهنا يشير الكاتب إلى عراق ما بعد حزب البعث كنموذج للاقتتال الطائفي وتوظيف هذه الرمزية.

حيث يستهل الكاتب مقدمة بحثه باستعراض قصة الفتى الراعي في رواية الخيميائي لباولو كويلو، الذي قرر الرحيل عن بلدته باتجاه تحقيق حلمه في البحث عن الكنز تحت أرض الأهرامات في مصر بناء على الحلم الذي راوده مرتين، مرّ في طريق رحلته الطويلة بعجوز قال له ناصحاً أن يتبع الإشارات. فهي التي ستوصله أخيراً إلى تحقيق أسطورته الشخصية.

واكتشف في نهاية الرحلة وبعد مشاق طويلة، أن الكنز الذي يبحث عنه لا ينحصر في صندوق الجواهر والقطع الذهبية التي وجدها لاحقاً في الموطن الذي خرج منه، بل في ذاته هو، في اجتياز الحياة، والحصول على المعرفة، معرفة الكون والإنسان، واحتضان روح العالم، وإن السعادة ليست سهلة أبداً، والأهم من ذلك كله العثور على الحب.

قال له العجوز "حيث يكون كنزك يكون هناك قلبك". من ثم لدى عثوره على الحبيبة في جوف الصحراء قرب الواحات فطن إلى أن الكنز الحقيقي هو تلك الفتاة البدوية التي أخذت بشغافه. لقد احتاج إلى شهور عدة ليصل إلى "تأويل" تلك العلامات التي ترابطت جميعها لتشكل "معنى" الكنز الذي رآه في منامه.

فروح العالم الذي استخدمه كويلو الذي يعود أصلاً لهيجل، ساقت الراعي إلى متاهة معرفية استمتع بها واحتاج خلالها إلى "أدلاّء" لإرشاده إلى بغيته. هناك "علاقات غياب" كما يسميها سعيد الغانمي هي التي تؤدي بعد تأويلها إلى تحقيق الحلم.

في الطبيعة والمجتمع نشاهد ونعرف ونحلل لكن قلما نتجه إلى التأويل ومعرفة باطن "علاقات الغياب" المندسة بين ما نشاهده ونسمعه ونحس به. الكون كله عبارة عن علامات منها ما هو جزء من الطبيعة، وآخر من صنع الفاعلين الاجتماعيين.

#2#

تخضع "العلامة" لطبيعة التفكير السائد في كل مجتمع. فالعربي ينتج معنى تأويليا بينما الغربي ينتج معنى تحليليا في الغالب. وهنا يستغل الطغاة مثل هذا المنطق التأويلي لتبرير طغيانهم. فالخليفة والرئيس هو جزء من الطبيعة الكونية المقدرة من الله، ولا مهرب من القدر المكتوب. يصل الإنسان إلى قناعة كافية بأن المستبد لن يُزاح من عرشه إلا بفعل قوة خارقة. بما أن قدرته من قدرة الله فإن هناك علامات signs يستعملها المستبد كأدوات لتحيط عقول رعاياه باليأس من تغييره كما سنبحث.

المفهوم التقليدي للاستبداد يطرح معنى انفراد شخص ما بالسلطة وطغيانه على من هم دونه في امتلاك القوة وانتهاكه القوانين. فهو استبداد واقعي مرئي يعيه الفرد والمجتمع بوضوح. الاستبداد الرمزي كما يطرحه الكتاب يستثمر العلامات بكافة أشكالها التي لا تقتصر على الصور واللافتات بل تتعداها إلى النظم والأنساق الاجتماعية والشخصيات والأحداث وكل ما من شأنه أن يؤوّل لغرض إنتاج المعنى في المجتمع. كما لا تنحصر في الإنسان الفرد- كالحاكم أو المسؤول الإداري- بل تتعداه إلى استبداد جماعة على أخرى، واستبداد المجتمع على الفرد والجماعة.

في الاستبداد الرمزي تصبح العلاقة معكوسة، حيث تنقلب الأدوار والمراكز وتتولى الجماعات ككيان اجتماعي مقاليد السلطة وتحوّلها إلى تسلط ينأى عن استعمال القوة المادية ويطوي بداخله سلطان الرمز كأداة للهيمنة.

وقد انتبهت العلوم الاجتماعية أخيراً إلى أهمية الاستعانة بحقل السيميائيات وتوظيفها بالشكل الذي لا يتقاطع بل ينسجم ومخرجات النظرية الاجتماعية. وربما كانت الدراسة التي تقدم بها الدكتور محسن بوعزيزي بعنوان: السميولوجيا الاجتماعية، التي اتخذت من المدينة التونسية أرضاً للبحث، باكورة ما أُنجز على المستوى العربي في مثل هذا المجال الخصب من المعرفة.

في هذا الكتاب لم يتم التطرق، وفقا للكاتب، إلى تفاصيل مملّة في شرح العلامة وكيفية عملها، لأن ما كتب عن ذلك يفوق الحصر. لافتا نظر القارئ خصوصا الباحثين الاجتماعيين إلى أن الكتابة عن الموضوع جاءت من خلال ملاحظة مباشرة ومقصودة للعلامات المنتشرة في بغداد وسائر المدن العراقية متأثرة بموجة الحماسة الدينية بعد سقوط نظام البعث، وعززتها بما اختزنته الذاكرة من العلامات السياسية في ذلك العهد. وفي مراحل متقدمة من الكتابة، وجد الكاتب أن الموضوع يستحق إضافة فصول عن تأويل بعض أفكار ابن خلدون وفصول أخرى تتحدث التاريخ والمجتمع العربي لتأييد ما وصل إليه حول الأثر السيميائي في الفرد والمجتمع.

وفي سياق متصل يشير الكاتب إلى المفكر بورديو ومصطلحه "السلطة الرمزية" إذ يرجع الفضل إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في مسكوكته حول السلطة الرمزية التي لم يكشف بها عن تناقضات المجتمع الفرنسي/الغربي وحسب، إنما التناقضات الكامنة في أي ثقافة لكون الإنسان قادرا على إنتاج الرمز في أي مجتمع كان. والمجتمع الذي تتعدد فيه مصادر إنتاج الرموز بتعدد مكوناته يكون في حالة صراع خفي قد يظهر إلى السطح في حالة ضغط وإكراهات شديدة.

يعتقد دايل أن الرموز معان تعبيرية متبلورة ومحكمة تتطابق في جوهرها مع العالم الداخلي الكثيف والنوعي، مقابل العالم الخارجي الواسع والكمي، كما يرى علماء النفس أن الرمز يوجد غالباً في العقل ومن ثم يُسقط إلى الخارج نحو الطبيعة.

قوة الرمز تكمن في قدرته على التخفي وإصراره على لعب دور الحصان الأسود (يسميه فروم باللغة المنسية)، ولا يبرز قوته إلا في أحيان الأزمة والفتن العاصفة. ويرى لاسويل وكابلان أن الرموز التي توظف لخدمة اليوتوبيا ربما توظف لخدمة الأيديولوجيا كما يحدث عادة في الثورات الناجحة. وتبقى الرموز المثالية محتفظة بقوتها حتى مع التشعبات أو الانحرافات الناتجة من واقع السلطة.

وهنا يخلص الكاتب إلى أن هذا المبحث لا يعني أن الرموز سيئة مطلقاً، بل إن كثيراً من الرموز التي ننتجها ونحتاج إليها يوميا تخدم مصالحنا حتى في الأزمات الشديدة. غير أنها تتباين في درجة ظهورها ومدى قوتها وتأثيرها في الفرد والمجتمع والدولة.

الأكثر قراءة