في زمن «ممانعة» بشار ونصر الله.. سليماني المرجعية وروسيا المخلّص
حال "الممانعة" اليوم بتحالفاتها الإقليمية والدولية، ومحاورها التي لطالما تباهت وتظاهرت بمعاداة "الأجنبي" الشيطان المستعمر، لا يمكن فصله عن سياقاته التاريخية التعبوية التي تغذى منها وعليها. إذ تصل اليوم هذه الادعاءات لأقصى تناقضها وتهافتها. بتمكن إيران وحشودها من أراض عربية، وبإقامة حشود طائفية على هيئة جيوش عربية. ثم أخيرا بوصول الروس لحماية هذه الحشود وتوفير الغطاء اللازم, بالتنسيق مع قوات إسرائيلية, بمباركة من بطريرك الأرثوذكس الروسي. صورة سوريالية عجائبية لم يكن لأحد من محللي الأزمنة السالفة أو الحاضرة أن يتصورها. ولكنه آخر زمان "ممانعة" نصرالله وبشار التي بدأت بقتل شعب وتهجيره لتنتهى بالتنسيق مع الأجنبي والاحتلال.
ممانعة "خمينية"
من طهران إلى بيروت مرورا بدمشق وبغداد يمتد هلال الممانعة. بمرجعية إيرانية شيعية يمثلها قاسم سليماني الممول والمرشد الأكبر لميليشيات الممانعة التي أحكمت قبضتها على هذا الهلال وكان أن أوشكت يدها لتطول المنامة سابقا وصنعاء أخيرا لولا عاصفة من الحزم العربي. تكاتفت من أجلها عدة دول عربية وخليجية بقيادة سعودية.
"خط الممانعة ترسمه المرجعية" هذا ما دأب عليه الممانعون شعبيا وما روجوا له من على المنابر بفتاوى تحريضية. تجييش الشعوب في تلك الدول وغيرها. لتصبح المرجعية بيد الثورة الخمينية، شيئا فشيئا، أمرا غير مستهجن. في توظيف "مذهبي" واضح يناقض أول ما يتناقض مع دعوات الممانعة "العروبية" المدنية التي لطالما تكسبت من شعارات التقدمية والتعددية. ولكنه منسجم وتثبيت حكم أفراد أفنوا حياتهم في خدمة "المرجعية" حتى لو كان ذلك على حساب شعوبهم وأوطانهم.
فتقاطرت الميليشيات على سورية من كل حدب وصوب، ومن مختلف الأعراق، لتثبيت حكم بشار الهش بعد أن كان آيلا للسقوط في أعقاب الثورة السورية. ولكن النظام- والأمر لم يعد له- تعامل بسياسة الأرض المحروقة. والحقيقة أنه ومن خلفه لم يكن بحاجة لكثير من التأجيج حتى تأول الأمور لما آلت إليه من ظهور لجماعات إرهابية وقتل على الهوية. إذ إن بذور هذه الطائفية الإرهابية كامنة، بل مؤسِسة لفكرة الممانعة ومن يقف خلفها من حراس تصدير الثورة الإيرانية المغروسين خفية منذ زمن في خاصرة الأوطان العربية.
تنمر علني
لم تنته القصة بالظهور العلني لأتباع الثورة الخمينية وميليشياتها في المشهد العربي بعد تخف طويل، بل استمرت في تنمرها العلني، إعلاميا وسياسيا، بعد تسليم العراق أمريكيا لقيادات وأحزاب طائفية موالية لإيران كنوري المالكي، الذي ما زال العراق يعاني سياساته الطائفية. فتعددت الولاءات وتفتت الجيش وضاعت في خضم ذلك الهوية الوطنية الجامعة.
كما دعمت طهران فعليا بشار الأسد منذ بدء الثورة السورية ضده في 2011، التي أسفرت عن سقوط أكثر من 240 ألف قتيل. وهي إلى الآن تقدم مساعدة مالية وعسكرية بما في ذلك مستشارون.
#2#
ومع فوضى عارمة، وفراغات أمنية شاسعة أحدثتها هذه الاضطرابات المتصاعدة. بدأت جيوب الإرهاب تتكاثر في العراق وسورية. كردة فعل طبيعية وأمنية على غياب هيبة الدولة محليا. وسياسة "النأي بالنفس" دوليا. من قبل حكومات أسهمت في إيجاد هذه الجيوب والفراغات. وبالرغم ذلك لا تتوانى عن تبرير ضرورة وجودها بدور مزعوم في محاربة الإرهاب.
ما يدعو الأسد لتهديد المنطقة بأكملها في استمرار لسياسة الأرض المحروقة التي بدأها منذ رفض التنحي. ففي مقابلة مع قناة "خبر" الإيرانية أكد أن التحالف السوري الروسي الإيراني العراقي "يجب أن يكتب له النجاح.. وإلا فنحن أمام تدمير منطقة بأكملها وليس دولة أو دولتين".
وهو بالفعل التدخل الذي لم تجد فيه روسيا بقيادة بوتين بدا أو مانعا من المشاركة فيه بعد زيارة غير معلنة، رصدتها جهات غربية، للمرجع قاسم سليماني، اكتفى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بإبداء قلقه حيالها. لتتكشف اليوم على أرض المعركة السورية، وفقا لمراقبين، الكثير من الحقائق حول طبيعتها، وطبيعة ما قد يكون دار فيها بين سليماني والقادة الروس.
إذ إن حلفاء الروس المحليين يتساقطون واحدا تلو الآخر. ولا بد من حمايتهم. وفي المقابل، فإن أنداد الروس دوليا بمن فيهم واشنطن أثبتت تجارب السنوات الخمس الفائتة أن خطوطهم الحمراء "وردية". بما فيه الكفاية للسماح لأي راغب بالخوض في هذه المساحات الفارغة أرضا والممتلئة جوا.
إرهاب الممانعة
"ممانعون" يعتاشون على الفوضى. تماما كما يعتاش الإرهاب عليها. يدركون أنه لا حياة طبيعية لأنظمتهم في حياة سياسية مستقرة. وفي سبيل ذلك هم مستعدون لفعل أي شيء. وكما يستقطب "داعش" بفكره المذهبي المنحرف الكثير من المضطربين والمتطرفين حول العالم. يفعل الممانعون ذلك. وبالسبل ذاتها في الاستقطاب مذهبيا ودعائيا. من خلال مواقع التواصل لتجنيد كثير من المرتزقة حول العالم.
إذ أعلن مسؤول أمريكي الجمعة أن ما يناهز ألفي إيراني أو من القوات التي تدعمها إيران يشاركون قرب حلب في هجوم على مقاتلين معارضين، في إطار جهد منسق مع روسيا والنظام السوري.
وقال المسؤول الأمريكي لوكالات أنباء "ربما هناك نحو ألفي" مقاتل إيراني أو يحظون بدعم إيران يشنون هجوما في جنوب شرق حلب. وأوضح أن هؤلاء قد ينتمون إلى قوات إيرانية مثل الحرس الثوري أو إلى مجموعات تمولها طهران مثل حزب الله اللبناني أو مجموعات من المقاتلين العراقيين. فيما يؤكد كثير من التقارير الغربية أن غالبية من تجندهم إيران، منذ بدء الثورة السورية. هم في الغالب من شيعة أفغانستان وما حولها من مناطق مقابل بعض المال وكثير من التجييش الطائفي.
ليؤكد "ممانعو" هذا الزمان أنه لا فرق بين إرهاب الدولة وإرهاب الجماعة سوى في مستوى التمثيل الدولي وطبيعته. فشخص مثل أبو بكر البغدادي قد لا يجد له من يمثله دبلوماسيا وسياسيا في الأمم المتحدة أو مبعوثا أمميا يفاوضه من خارجها علنا. في حين يجد بشار الأسد كل ذلك وأكثر، سياسيا وعسكريا. برغم كل ما فعله ويفعله بأفراد شعبه. وهذا على ما يبدو- وحتى الآن- الفرق الوحيد بين إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات المتطرفة.