«ألماس ونساء» .. بريق الأنوثة في صلابتها

«ألماس ونساء» .. بريق الأنوثة في صلابتها
«ألماس ونساء» .. بريق الأنوثة في صلابتها
«ألماس ونساء» .. بريق الأنوثة في صلابتها
«ألماس ونساء» .. بريق الأنوثة في صلابتها

هل يعد ترشيح رواية لجائزة البوكر العربية حكما استباقيا يعتمد عليه القارئ أثناء عملية اقتنائه لكتب جديدة؟ قد تستحق بعض الأعمال المرشحة الالتفات إليها، إلا أن ثمة كتبا أخرى يستغلق عليك فهم أسباب ترشيحها للجائزة والآلية التي تم عن طريقها اختيارها. هل هي الفكرة المحورية المتميزة أم الحبكة الروائية المتقنة؟

رشحت رواية ألماس ونساء، للروائية السورية لينا هويان الحسن الصادرة عن دار الآداب، لعام 2014، لجائزة البوكر العربية.

ويعد حتما السبب الرئيسي لاختيارها في فكرتها المختلفة، إذ تطرقت لينا الحسن إلى قضية المهجر السوري واللبناني في فرنسا وفي أمريكا اللاتينية منذ بداية القرن العشرين.

#2#

الرواية تتنقل عبر شخصية "ألماظ" ذات البشرة الخمرية التي تقترن بالكونت كرم الخوري الطاعن في السن الطامح في الحصول على وريث ودون التفات إلى فوران أنوثتها.

تعدد الشخصيات

على الرغم من أن الرواية معتمدة على شخصية "ألماظ" إلا أن تفاصيلها تضيع بين طيات الكتاب وتعدد الشخصيات، فصوت الراوي يتحول فجأة وفي بعض الأحايين في ذات الصفحة من شخص لآخر بطريقة خارجة عن أي اتساق.

يظهر ما هو أشبه بمحاولة اقتداء بأعمال ماركيز المركزة على الأدب اللاتيني وتدشين رواية حافلة بشخصيات عديدة، إلا أن ذلك الغوص في حيوات الشخوص التعددية أنهك العمل وتسبب بتسطيح العمل مما يدفع بالقارئ إلى نسيان الشخوص والأحداث لتشتتها.

إذ كان من الأحرى الغوص في شخصية ألماظ لمعرفة التدرجات النفسية لها، وأسباب انتقالها من حالة الهدوء والانصياع إلى التمرد ومن ثم حالة فوران البركان الذي وصفته الروائية بأنه "يجردها من طبقات الحزن والمخاوف وذكريات ورغبات هاجعة في أعماقها"، دون توضيح لأسباب تلك المتغيرات.

سيطرة الألماس

الثيمة التي تدثرت بها أحداث الرواية كما شمل العنوان تركز على كل من النساء والألماس، فالشخصية المحورية ألماظ حفيدة "بابور" الحسناء الهندوسية، تحتفظ طوال الوقت بألماسة زرقاء لجدتها، هي الجوهرة الوحيدة التي نجت من حادثة سرقة، تمتنع عن بيعها فلا تفارقها وتبقيها كرمز للتفرد.

#3#

فالألماس اسم شائع تتهافت عليه النساء رغبة في أن يصبحن شيئا ثمينا ولو مجازا، كألماظ و"برلنت" الذي يحمل ذات المعنى باللغة التركية، وتقاتل إحدى الشخصيات لإعادة اسمها الذي تم تغييره من لطفية إلى برلنت، رغبة في الابتعاد عن الانضمام لأسماء تذعن لعتمة الموافقة.

ملاحقة ذلك المعدن الناتج "خلال اعتباطية الزلازل واستبدادية البراكين ومقاومة الامتثال والخضوع، احتجاج الأعماق الغاضب، العنيد، والمصر والموجع.. يحدث هذا البريق الاستثنائي.
" وكأن ذلك البريق هو ما تبحث عنه نساء هذه الرواية، هربا من السلطة الذكورية الخانقة التي تظهر تجريما للرجل الشرقي في تلك الحقبة، وازدرائه للمرأة واقتصاره التعامل معها بنهم إما كجواري والمتاجرة بهن وامتهان الإهانة، وهو ما كان موجودا في تلك الحقبة، إذ تظهر تلك الملامح من خلال وصف وجود الحرملك وفرض القبابيب الخشبية، بهدف إعاقة مشي المرأة وخلخلة توازنها.

واختيار أسماء أنثوية ترمز إلى تحكم الرجال بالنساء، كتلك القادرة على تطهير المرأة من احتمالات التمرد والأسئلة والفضول.

المرأة في الرواية سجينة تحاول التملص من سلطة رجل يتوق للمرأة المطيعة بل يفضل أمية حتى لا تتسبب له في المشاكل، ويبحث عن تلك الملامح التقليدية كمعالم الجمال والبياض الباهر، فإن أراد رجل التغزل بامرأة يصفها بذلك: "من أين لك كل هذا البياض؟ هل طليت نفسك بالأبيض؟" في الوقت الذي لا يأبه به الرجل من الإعلان عن عشيقات دون مواراة، تظل نظرته حيال المرأة مشوهة يشبهها بالقطط بتغير قناعاتها وطباعها وتحولها المباغت من الوداعة إلى اللؤم.

#4#

وحتى ابتساماتها تظهر كانعكاس لأمزجتها المتقلبة "كيف للمرأة أن تخترع ذلك الكم الهائل من أنواع الابتسامات وأشكالها!" تلك القسوة المفرطة تجاه الرجل تتضمن إقحام لتطرف المرأة في محاولتها للتحرر في أمريكا اللاتينية والتنصل من الموروثات العربية، وقد يكون ذلك ما حدث في تلك المنطقة التي تصفها الرواية بالملاذ الآمن، والطريق إلى تحرر المرأة والغوص في صخب الحياة في المهجر، ومحاولات الاندماج بالمجتمع والامتثال بالأزياء المعتمدة على الملابس الأوروبية المستوردة والانغمار بالاحتفالات المبهرجة. فيما يتجلى ظهور طراز معماري يمازج بين النمطين الفرنسي والشمال إفريقي.

السرد التاريخي

يتجلى منذ أول صفحات الرواية التركيز على السرد التاريخي الذي يحيل العمل الروائي إلى بحث تقريري اضطرت فيه لينا الحسن إلى مراجعة مكتبة في دمشق، والاطلاع على وثائق وصحف عبرها، وقد عبرت باحتفاء حار في مقدمة الرواية عن شكرها لموظفي المكتبة.

التورط في الغوص في التفاصيل التاريخية وإن كان مثيرا للاهتمام بالأخص لندرة التطرق إلى موضوع المهجر اللاتيني إلا أن القارئ يكاد يتلاشى عن ذهنه فكرة أن العمل الذي يقرؤه عبارة عن رواية، فهناك تسميات تفصيلية لأسماء أديبات ومثقفات سوريات باستعراض معلوماتي لا حاجة إليه. تتعمق تفاصيل البحث لتغرق في قضية كاندماج العرب المهاجرين في المجتمع الأرجنتيني بعد أن تزوج 80 في المائة منهم من مسيحيات. أو معلومات أخرى عن جزيرة بوتان تضمنت تاريخ تأسيسها في إطار لا حاجة إليه.

الانتقال المكاني

يعبر المكان القارات في "ألماس ونساء"، تتناثر الأحداث عبر الأمكنة، إذ تباغتك أحداث في سورية وأخرى في فرنسا والبرازيل والأرجنتين. على الرغم من أن هناك عاملا تشويقيا ورغبة في اكتشاف تفاصيل تلك الأمكنة، إلا أن تعددها يتسبب في التشتيت بارتباك كان من الأفضل لو تم التركيز على أحدها فحسب، والكشف عن أسرارها عوضا عن وصف شمل مساحة جغرافية كبيرة وتسبب بنسيان الشخوص والأحداث.

هناك أساطير بديعة مغمورة تكشف عن زمن غابر اجتمع فيه المسلمون والمسيحيون واليهود في مجتمع سوري واحد، وعشق فيه أشخاص ينتمون إلى أديان وأطياف مختلفة. تسلسل الأحداث يصبح أكثر انسيابا لدى الاقتراب من نهاية الرواية، لتنصهر الشخوص في ساو باولو.. مدينة تشبه وطنا في الحلم أو الحكايات أو الذكريات. رواية ألماس ونساء تمتلك فكرة مختلفة تغوص في عوالم لاتينية مختلطة بالدم العربي، وإن كان من الأحرى الاعتكاف والاستثمار في تفاصيل أكثر وحبكة أعمق.

الأكثر قراءة