هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة
صدر قرار مجلس الوزراء الموقر بالموافقة على "تنظيم هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة"، التي ستكون هيئة عامة ترتبط تنظيميا برئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتتولى العمل على توليد الوظائف ومكافحة البطالة في المملكة، من خلال التنسيق بين جميع الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة بسوق العمل وتعزيز المشاركة بينها، والعمل على تنمية القطاعات المولدة للوظائف واستثمار الميزة التنافسية في مناطق المملكة لهذا الغرض. وحسبما نص عليه التنظيم الخاص بهذه الهيئة، سيتم إنشاء مجلس إدارة للهيئة يشكل من رئيس يعين بأمر من رئيس مجلس الوزراء، إضافة إلى محافظ الهيئة، يتولى تعيينه مجلس إدارة الهيئة، وممثلين من عدد من الجهات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة والقطاع الخاص.
تتلخص أهم الأهداف الرئيسة لتأسيس هذه الهيئة الناشئة في خمسة أهداف، الهدف الأول: العمل على دعم وتنمية القطاعات ذات العائد الأكبر على توليد الوظائف. الهدف الثاني: تبني سياسات تحفيزية للقطاعات المولدة للوظائف. الهدف الثالث: التنسيق بين البرامج والسياسات المرتبطة بالتوظيف والتوطين والتأهيل والتدريب ومدى التوافق بين هذه السياسات لأغراض توليد الوظائف في سوق العمل المحلية. الهدف الرابع: التنسيق بين البرامج الحكومية المختلفة لتنمية الطاقات البشرية الوطنية، والتأكد من أن برامج التعليم والتدريب متوافقة مع متطلبات سوق العمل المحلية، وكذلك احتياجات المملكة المستقبلية. الهدف الخامس: إجراء الدراسات واقتراح الآليات اللازمة لرفع إنتاجية القوى العاملة الوطنية، وتعزيز مهاراتها وقدراتها.
يأتي هذا التوجه متوافقا إلى حد بعيد مع الرؤية الشاملة تجاه تحديات سوق العمل والبطالة محليا، وضرورة إسهام جهات أكثر مع وزارة العمل، تتشكل من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، إضافة إلى كبرى منشآت القطاع الخاص في العديد من النشاطات الاقتصادية المختلفة، على أن تتسم تلك الرؤية بالسمات التالية؛ أولا: أن تكون أكثر شمولية تجاه الاقتصاد الوطني بصورة عامة، وليس فقط تجاه سوق العمل، وهو ما سيحدث فارقا كبيرا على مستوى السياسات والإجراءات التي ستنتهجها الوزارة وبقية الأجهزة الحكومية المعنية إذا تطلب الأمر، تجاه السوق وجميع المنشآت والأفراد ذوي العلاقة، وكذلك الأداء والنتائج لاحقا.
فما حدث خلال الفترة الماضية؛ تمحور حول تعامل وزارة العمل منفردة مع تشوهات سوق العمل المحلية، دون النظر أو الأخذ في عين الاعتبار "المصادر الرئيسة" لتلك التشوهات التي تسربت إلى سوق العمل، وتغلغلت في مختلف أرجائه، ويكفي القول هنا إنه مهما بذلته وزارة العمل أو غيرها للقضاء على كل إفرازات التشوهات الرئيسة، دون المساس بأي من تلك المصادر الرئيسة للإفرازات، فإنك ستظل تدور في حلقة مفرغة لزمن طويل جدا.
ثانيا: تقتضي ترجمة السمة الأولى السابقة؛ أن تتشكل منظومة عمل واسعة تضم الأجهزة الحكومية المعنية "وزارة الاقتصاد والتخطيط، وزارة التجارة والصناعة، الهيئة العامة للاستثمار"، إضافة إلى منشآت القطاع الخاص ممثلة في الغرف التجارية والصناعية، بما يتوافق مع سياسات وبرامج مستقبلية للتوطين أكثر شمولية. إنه من المفيد جدا في ضوء النظرة الشمولية، أن تكون تترجم منظومة العمل الحكومية والأهلية للاقتصاد الوطني وسوق العمل تحت مظلة هذه الهيئة الناشئة، وأن تتبنى مفهوم العمل من مكونات الاقتصاد الوطني وفق أنشطته الثلاثة الرئيسة: (1) نشـاط الزراعة (بيانات 2014: مساهمته في الاقتصاد 1.8 في المائة، حصته من العمالة الوطنية 1.1 في المائة، معدل التوطين 2.6 في المائة)، ويشـمل: الزراعـة والصيد والغابات وصيد الأســمـاك. (2) نشـاط الصـناعـة (بيانات 2014: مساهمته في الاقتصاد 58.2 في المائة، حصته من العمالة الوطنية 52.6 في المائة، معدل التوطين 13.6 في المائة)، ويشـمل: التـعـدين واســتـغـلال المحـاجـر، والصنــاعــات التحويلـية، والـكـــهربـاء والـغــاز، والمـياه، والتشـيـيـد والبـناء. (3) نشاط الخدمات (بيانات 2014: مساهمته في الاقتصاد 40.1 في المائة، حصته من العمالة الوطنية 46.3 في المائة، معدل التوطين 21.1 في المائة)، ويشمل: تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية. ويستمر في التدرج هبوطا حسب ذلك التبويب حتى يصل إلى أدنى مستوى تحليلي، مع الأخذ في الاعتبار النشاطات الجزئية المكونة لتلك النشاطات الثلاثة الرئيسة.
تتولى هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة كإحدى أولوياتها العمل على توسعة وتعزيز نشاط الخدمات، عبر توسعة وزيادة الاستثمارات في مختلف أنشطته الفرعية، والعمل كذلك على فتح المنافسة في رحابه الواسعة، ذلك أن هذا النشاط يعد من أكثر الأنشطة الاقتصادية الحاضنة لأشكال الاحتكار على العكس من المنافسة، الذي أدى بدوره إلى بقاء نسبة مساهمته في الاقتصاد الوطني دون 40.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. كل ذلك بدوره سيسهم في زيادة وإيجاد المزيد من آلاف الفرص الوظيفية الملائمة والكريمة للمواطنين والمواطنات، ويكفي أن تركز هنا على بعض النشاطات الفرعية لنشاط الخدمات كخدمات المال والتأمين "مصارف تجارية، شركات تأمين"، اللذين يعاني كل منهما تشوهات هيكلية تسبق توطين الوظائف من عدمه! فالمصارف التجارية نشاط يعاني منذ فترة طويلة جدا ارتفاع درجة تركزه الشديدة "الاحتكار"، ورغم ارتفاع معدل ربحه لرأس المال لدرجة وضعته في أعلى سلم مؤشرات الربحية على مستوى القطاعات المالية عالميا "كان أحد أسباب ارتفاع الربحية سيطرة أشكال الاحتكار، وضعف المنافسة"، أقول على الرغم من كل ما تقدم من أرباح مرتفعة، إلا أن مساهمة هذا النشاط في القيمة المضافة للاقتصاد لا تكاد تصل إلى 3.0-2.5 في المائة، على الرغم من تجاوز موجوداته لسقف الـ 2.0 تريليون ريال، ولا يتجاوز عدد العمالة فيه لـ 47.6 ألف عامل سعودي وغير سعودي (0.47 في المائة من إجمالي عدد العمالة في القطاع الخاص)، وقس على ذلك الحال بالنسبة لنشاط التأمين.
واقع الحال وما يحتمله من تحديات تنموية؛ يؤكد أهمية رفع مساهمة نشاط الخدمات في الاقتصاد "المتوسط الأمثل بالنسبة للاقتصادات المشابهة تراوح بين 75 و85 في المائة"، وللعلم فإن ارتفاع نسبة نشاط الخدمات في الاقتصاد وديمومة ارتفاع تلك النسبة، تبين للمختصين والمراقبين مدى قرب الاقتصاد من التحول لاقتصاد المعرفة من عدمه، واستقرارنا حتى نهاية العام الماضي عند 40.1 في المائة تدلل على ابتعادنا كثيرا حتى الآن عن تحقق هذا التحول! إلا أن الأهم في الوقت الراهن بالنسبة لوزارة العمل ولهذه الهيئة الناشئة، أن تكتشف المدخل الأسلم ونقطة البداية الصحيحة نحو تحقيق الهدفين التنمويين، بالتكامل في الجهود مع بقية الأجهزة المعنية: (1) تحسين ورفع كفاءة الأداء الاقتصادي، ورفع درجة التنوع الإنتاجي المحلي. (2) إيجاد المزيد من الوظائف اللائقة والمنتجة لتلبية الطلبات المتنامية عليها من قبل خريجي التعليم العام والفني والعالي. والله ولي التوفيق.