البكتيريا تحارب الجريمة

فضل تلك الكائنات الخفية علينا ممتد، ففي كل مرة تبهرنا بما تصنعه لنا وكأنها تحاول أن تبعث لنا برسائل صلح تقول فيها أنا لست عدوا صرفا، لماذا لا ترون وجهي الآخر؟!
آخر ما قدمته لنا وأثبته العلم مساعدتنا على كشف الجرائم، فوجود كميات من البكتيريا تغطي جلودنا وتتفاعل مع مكونات أجسادنا وتتغذى على الماء والشوائب العالقة والمواد العضوية التي يتكون منها الجلد الذي تعيش فوقه والبيئة المحيطة تمكنها من إنتاج أثير أو رائحة تخرج مع العرق تميز كل فرد منا عن الآخر. وتعد رائحة البشر الخالصة دون إضافات بصمة خاصة بكل فرد لا تتشابه حتى لدى التوائم! يقول الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ على لسان يعقوب عليه السلام "وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ"، فرائحة سيدنا يوسف كانت بصمة مميزة له جعلت والده سيدنا يعقوب -عليه السلام- يتأكد من وجوده على قيد الحياة، وقد استغلت هذه الصفة المميزة للبشر أو البصمة في تتبع أثر أي شخص باستخدام الكلاب البوليسية، وخاصة "وولف دوج" في شم والتعرف على المجرم من رائحته الموجودة على مسرح الجريمة التي قد تظل تعبق في المكان ولا تتلاشى إلا بمرور فترة طويلة قد تمتد إلى بضعة أشهر.
واستخدمت بصمة رائحة العرق لأول مرة عام 1913 عندما قام "لوكارد" بأول محاولة من نوعها لمقارنة العلامات المميزة المنبعثة مع العرق من مسامات الجلد ويمكن من خلال المجسات sensors التقاط هذه الروائح وتحليلها واستخلاص سماتها والربط بينها وبين صاحبها باستخدام أجهزة خاصة، لذا قامت شرطة "مدينة نانجينج" الصينية بإنشاء أول مصرف من نوعه لتخزين روائح البشر؛ وذلك لمساعدة الكلاب البوليسية في التعرف على المجرمين، ويضم المصرف حاليا نحو 500 رائحة تحفظ في درجة 18 تحت الصفر، وذلك لمقارنتها بعينات أخرى من مواقع الجرائم. وتستمر البكتيريا في إبهارنا، فحديثا اكتشف مختبر "آرجون" الأمريكي الوطني للطاقة بعد دراسة أجراها على 18 إنسانا وثلاثة كلاب وقطة واحدة وعمل مسحات لأيديهم وأرجلهم وأنوفهم لمعرفة نوع البكتيريا التي تسكن أجسادهم ثم نقلهم إلى منزل آخر في مشروع أطلقوا عليه "المنزل الميكروبي"، حيث لاحظوا أن ميكروبات تلك الكائنات احتلت المكان بسرعة فائقة وفرضت بصمتها عليه وخلصوا إلى أن لكل إنسان بصمة بكتيرية تميزه عن غيره وتنتقل معه في كل مكان يمر عليه فما هي إلا فترة وجيزة وتحتل ميكروباته المكان وتبقى فيه لساعات عدة؛ ما يتيح للمحققين والأدلة الجنائية فرصة اكتشاف المجرمين والتعرف عليهم من بصمتهم البكتيرية الموجودة في المكان حتى إمكانية معرفة الأشخاص القريبين منهم مثل الأصدقاء الملازمين لهم وأزواجهم وأبنائهم، فكلما زاد اختلاط الأشخاص ببعضهم تشابهت بصمتهم البكتيرية ولكن يستحيل أن تتطابق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي