دراسة: الإرهاب يحاول نقل صراعه مع الحكومات إلى الساحة الاقتصادية

دراسة: الإرهاب يحاول نقل صراعه مع الحكومات إلى الساحة الاقتصادية

باتت التنظيمات الإرهابية المنتشرة في بعض دول المنطقة أكثر اهتماما بنقل الصراع مع حكومات تلك الدول من ساحة المعارك القتالية إلى الساحة الاقتصادية، في محاولة منها لفك ارتباطها بالنظم الاقتصادية الرسمية واستنزافها في الوقت نفسه. ولتحقيق ذلك، حاولت هذه التنظيمات، وفقا لدراسة أعدها المركز الاستراتيجي في القاهرة، استخدام أدوات عديدة، كالسيطرة على الموارد الرئيسية للبلاد مثل النفط، كما نجحت، في بعض الأحيان، في السيطرة على مصادر المياه، ولعل آخر ما اتبعته من آليات في هذا الصدد هو التحول نحو استخدام عملات إقليمية أخرى بخلاف العملات المحلية.
وبالطبع، فإن ذلك قاد إلى انزلاق كبير لاقتصادات بعض دول المنطقة بدت آثاره السلبية جلية على كافة المؤشرات الاقتصادية والمستوى المعيشي للمواطنين، بيد أن ما اتخذته الحكومات من تدابير لمواجهة هذا الاستنزاف الاقتصادي، يظل غير مجدٍ في ظل استمرار ارتفاع النفقات العسكرية، ولن يضمن سوى الدفاع عما تبقى لها من أراض وأصول اقتصادية تسيطر عليها.

استنزاف اقتصادي

بشكل عام، تكبدت دول الأزمات (سورية، والعراق، واليمن، وليبيا) خسائر اقتصادية كبيرة جراء النزاع المحتدم ما بين الحكومات والتنظيمات الإرهابية، وليس بخافٍ أن أوضاع الاقتصاد السوري انهارت بشكل كبير جراء النزاع الراهن سواء مع قوى المعارضة، أو مع التنظيمات الإرهابية مثل "داعش". وفي ضوء ذلك، يتوقع بنهاية عام 2015 أن تتكبد البلاد خسائر قدرها 237 مليار دولار بحسب اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا "الإسكوا". وعلى صعيد الوضع في العراق، فقد انكمش اقتصادها بما نسبته 2.4 في المائة في عام 2014 بسبب توغل "داعش" في المحافظات الشمالية، وذلك بحسب تقدير صندوق النقد الدولي، وتتفاوت تقديرات الخبراء للخسائر التي تكبدتها مع تدمير البنى التحتية والمنشآت الاقتصادية، وهناك من يذهب إلى تقدير الرقم بنحو 200 مليار دولار. أما الوضع الليبي فهو الأسوأ منذ اندلاع الثورة الليبية في عام 2011، حيث انكمش الاقتصاد، كما يقدر صندوق النقد الدولي، بما نسبته 24 في المائة في عام 2014، وبلغ مجمل خسائر الإيرادات النفطية وحدها خلال العام نفسه ما يقارب 60 مليار دولار.

آليات مختلفة

تعددت أدوات التأثير الاقتصادي التي استخدمتها التنظيمات الإرهابية في محاولتها لفك ارتباطها بالنظم الاقتصادية الرسمية واستنزافها في الوقت نفسه، وتتمثل في:
1 - إفقار مالي: لجأت التنظيمات الإرهابية إلى السطو على الموارد العامة وإدارتها، كالنفط والمياه والأراضي الزراعية، كما حاولت السيطرة على المنافذ اللوجيستية التي كانت تديرها الحكومات الشرعية سابقًا. فمع توغل "داعش" في شمال العراق، بسط سيطرته تقريبًا على كل حقول النفط الشمالية، وبعض سدود المياه، والأراضي الزراعية، كما استطاع التنظيم فرض سيطرته على المعابر الحدودية بين العراق وسورية، فيما استطاعت "جبهة النصرة" السيطرة على المعبر الوحيد بين سورية والأردن. وفي اليمن استطاعت جماعة "الحوثيين" السيطرة على خطي نقل الغاز الطبيعي بين مأرب وبلحاف، وبين شبوة وحضرموت.
2 - عملات بديلة: بعد مبادرات سابقة من قبل الجماعات المعارضة في الشمال السوري لإجراء وتسوية التعاملات الاقتصادية بالليرة التركية بدلا من الليرة السورية، جاء تنفيذ هذه الخطوة في غضون شهر أغسطس الماضي بالاتفاق مع الفصائل الثورية، والمحاكم القضائية، وإدارة المعابر الحدودية، بهدف فك الارتباط الاقتصادي بنظام الأسد، وبالفعل، أعلن عن تسليم رواتب الشهر المنصرم بالليرة التركية لموظفي المجالس المحلية والمحكمة الشرعية في حلب وريفها. وقد شجع عملية التحول مخاطر التضخم والتدهور المستمر والسريع لقيمة العملة السورية منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011. ولم تكن هذه المحاولة الأولى للتخلص من الليرة السورية، فخلال العامين الماضيين، وحتى في المناطق الخاضعة لنظام الأسد، تنامت ظاهرة "الدولرة"، حيث يتم التداول بالدولار بين عدد من المتعاملين بدلا من الليرة السورية. وأخيرًا أيضًا قام تنظيم "داعش" بصك عملته الذهبية الخاصة به ونشر صورتها إلا أنه لم يبدأ تداولها بعد.
3 - استهداف المؤسسات: في ضوء تصاعد العنف في دول الأزمات، لم تسلم المؤسسات الاقتصادية العامة الأخرى من أعمال العنف المسلح من قبل التنظيمات المتصارعة، حيث تعرضت المنشآت النفطية في العراق لهجمات متكررة، وقام مرارًا تنظيم "داعش" بمحاصرة ومهاجمة مصفاة بيجي، أكبر مصفاة نفط في العراق. كما قام "الحوثيون" في اليمن بالاستيلاء على مصفاة صافر والمنشآت النفطية في الحديدة وصنعاء. وتصاعد صراع من نوع آخر ما بين حكومتي الشرق (المعترف بها دوليًا) في طبرق والغرب في طرابلس للسيطرة على عمليات مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وهو ما أسفر في النهاية عن نقل مقر البنك المركزي إلى مدينة البيضاء في شرق البلاد بعيدًا عن مقره السابق في طرابلس في شهر يونيو 2015، غير أن مشتري النفط الأجانب لا يزالون يدفعون قيمة مشترياتهم عبر المؤسسة الوطنية للنفط ومقرها طرابلس.

مواجهة غير فاعلة

مع تعدد آليات التأثير الاقتصادي التي استخدمتها التنظيمات الإرهابية، تعددت أيضًا إجراءات المواجهة التي اتخذتها الحكومات، وهو ما يمكن تناوله في الآتي:
1 - القرارات الحكومية: في محاولة للحفاظ على استقرار العملة السورية، أصدرت الحكومة مرسومًا تشريعيًا رقم 54 لعام 2013 بمنع استخدام أي عملة غير الليرة السورية للمدفوعات والتسديدات النقدية.
2 - المساعدات: مع تنامي خسائر الاقتصاد المستمرة جراء ممارسات التنظيمات الإرهابية، لجأت الحكومات للاعتماد على التمويل الخارجي في دعهما لمساندة اقتصاداتها، وكانت سورية المثال الأبرز في هذا الصدد، فوفق التصريحات الرسمية الإيرانية، فقد تلقت سورية مساعدات بقيمة 4.2 مليار دولار منذ بداية الصراع عبر ثلاثة خطوط ائتمان، واتفاقية تعاون اقتصادي مع إيران، بينما قد يفوق حجم المساعدات هذا الرقم، إذ تشير بعض التقديرات الأخرى إلى أن سورية تلقت ما يقارب 15 مليار دولار. وبدأت بعض ملامح لإعادة الإعمار في المدن المتأثرة بالصراع، حيث وقعت وزارة المالية العراقية اتفاقية قرض مع البنك الدولي بقيمة 350 مليونا لتوفير الأموال اللازمة لعمليات إعادة إعمار المدن التي استعادتها الحكومة والميليشيات المسلحة من "داعش".
3 - المواجهات الأمنية: رغم أن استمرار العمليات العسكرية من قبل القوات الحكومية في سورية أو العراق ضد التنظيمات الإرهابية، ربما لا يضمن استعادة الأصول والموارد التي سيطرت عليها التنظيمات الإرهابية، إلا أنه قد يساعد على استمرار سيطرة الحكومات على الأصول والمصادر والموانئ التي لم تنجح تلك التنظيمات في الوصول إليها.
وختامًا، يبدو أن تصاعد أنشطة التنظيمات الإرهابية أدى إلى إجهاد الأنظمة الاقتصادية الشرعية، وهو ما تسبب في تزايد احتمالات انهيارها. ورغم ذلك، فإن ما قد تتخذه الحكومات من إجراءات لمواجهة هذا الاستنزاف الاقتصادي، لن يضمن لها سوى الحفاظ على ما تبقى من أراض وأصول اقتصادية ما زالت تسيطر عليها.

الأكثر قراءة