رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«ليشهدوا منافع لهم»

هذه الأيام العظيمة التي نعيشها لتأدية جموع المسلمين من كل بقاع الأرض عبادة - الحج وقصد بيت الله الحرام، ومنذ أن دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام - الناس للحج كما جاء في قوله تعالى: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىمَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)" (سورة الحج) تحولت الأرض القاحلة في مكة إلى أهم بقعة في الأرض وقبلة لأكثر من مليار مسلم، يقصدها الناس في كل يوم للصلاة وأداء العمرة والحج وأداء العبادات، وكانت الأمم تقدر وتحترم من يقوم بالعناية والاهتمام بهذه الأرض المباركة المقدسة، وقد كانت أولوية في التطوير والاهتمام والعناية للحكومة بالمملكة بالتوسعة والخدمات والاهتمام بضيوف الرحمن من كل بقاع الدنيا، حتى أصبح ظاهرا لكل زائر للحرمين الشريفين الرضا عن التطوير المتواصل للمشاريع والخدمات.
هذه الأرض المباركة جعلت من هذا التجمع الديني للحج انعكاسات ذات أبعاد متعددة منها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، حيث يلتقي الأفراد من مختلف دول العالم دون تمييز لشخص على آخر، فطبيعة اللباس اللازم لهذه الشعيرة تجعل الجميع سواسية لا تستطيع أن تفرق بها بين غني وفقير وبلد عن آخر، فالجميع يشتركون في هدف واحد، وإن اختلفت أشكالهم وأعراقهم، كما أنها ملتقى ثقافي يجتمع فيه المسلمون من مختلف دول العالم، يتعرف فيه البعض على البعض الآخر، ويزيد من مستوى التواصل والتآلف والعلاقات التي تنبني على هموم مشتركة بالتقرب إلى الله تعالى، فظروف هذا الملتقى تعزز من تجاوز جميع أسباب الخلاف والنزاع بين أفراد المجتمع المسلم، ويزيد من فرص التعاون الذي يسعى إليه المصلحون في جميع البلدان الإسلامية، إضافة إلى أنها فرصة لإبراز جانب التنوع الثقافي الذي يحظى به المجتمع المسلم، بما يساعد على فهم أكثر لكل ثقافة، ويسهل التواصل ويقلل من الحواجز التي تراكمت بسبب سوء فهم خلال فترة ما.
هذا التجمع لا شك أن له بعدا اقتصاديا كبيرا أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى "ليشهدوا منافع لهم" وقد فسرها جمع من المفسرين أنها خيري الدنيا والآخرة وأكد ذلك قوله تعالى "على ما رزقهم من بهيمة الأنعام"، فحركة التنقل سواء البري أو الجوي أو البحري التي تنشط الحركة في البلاد في الموانئ والمطارات والطرق، وبعدها النشاط داخل المشاعر من خلال التنقل بوسائل النقل المتعددة، إضافة إلى حركة البيع والشراء التي تتم بصورة هائلة يوميا، وكثير من الأعمال الخيرية التي تقدم خلال هذه الفترة من المحسنين والجمعيات الخيرية، إضافة إلى السكن والخدمات بمختلف أشكالها وصورها هي مظاهر للنشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يوصف ضمن الإطار العام لاقتصاديات الحج، أو المعنى الأعم وهو زيارة بيت الله الحرام وأداء الشعائر.
لا شك أن خدمة ضيوف الرحمن تهدف إلى تحقيق- طاعة الله والمقصود هو ـــ رضا الله سبحانه - وليس التركيز على أمر من أمور الدنيا، ولكن من دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام - الذي دعا الله فيه أن يجعل الله هذا البلد آمنا وأن يرزق أهله من الثمرات لما يقدمونه إلى ضيوف الرحمن من خدمة، ولصبرهم في ذلك كما قال تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ..." الآية (سورة البقرة: آية 126)، وهذا ما يجعل الإقبال والعيش في هذا البلد المبارك سببا من أسباب الرزق، وليبقى هذا البلد أيضا بلدا آمنا يستأنس فيه كل من يفد إليه من أي مكان في هذه الأرض ولا يشعر بأي نوع من الوحشة.
لا شك أن النشاط الاقتصادي أثناء الحج ينعكس على التنمية في المجتمع، وهذا أمر مكتسب لهذا المكان الطاهر الذي تحول مع الزمن إلى مركز تجاري اشتهر بذلك قبل الإسلام وبعده، فاقتصاديات المناسبات الإسلامية مثل العيدين والحج والعمرة ورمضان تحتاج إلى دراسة متخصصة، وأن تكون جزءا من المناهج التعليمية داخل الجامعات في المملكة لاختصاصها في ذلك، فهي حالة متخصصة في احتياجاتها ودراستها تعزز من الاستفادة منها للمجتمع المسلم وبناء منهج علمي اقتصادي لهذه المناسبة، وتبسيط أمر اقتصاديات الحج وحصره في بعض الأنشطة مثل صناعة الهدايا أو التذكارات داخل المملكة، أو الدور الذي يمكن أن تلعبه الأسر المنتجة هو قصور في النظر إلى الأبعاد الاقتصادية لهذه المواسم، فالأمر مرتبط بجميع مسائل الاقتصاد التي لعل من أهمها توفير فرص عمل للقوى العاملة الوطنية، وحركة الأموال، تدفق العملات الأجنبية، والإنتاج والاستهلاك في إطار العناية بالترشيد والكفاءة في الإنتاج، ولعل من أهم القضايا التي لها علاقة مباشرة بهذه المناسبة الأنشطة الخيرية والاجتماعية.
الأنشطة الاجتماعية والمناسبات سواء كانت دينية أو ثقافية أصبحت اليوم مادة تعتني بها المؤسسات العلمية، لتستفيد منها كمادة علمية لدراستها، وقد تتحول إلى منهج تعليمي مع تطور هذه الدراسة بما يعزز من كفاءة إدارتها بمشاركة من متخصصين على أسس علمية، واليوم نجد أن المملكة أنشأت مركزا متخصصا في الحج بجامعة أم القرى، وقد يكون هذا المركز بذرة لعلم متخصص في اقتصاديات الحج.
الخلاصة، إن الحج مناسبة إسلامية عالمية، والعناية بجانبها الاقتصادي مع المناسبات الأخرى مثل العيدين والعمرة وشهر رمضان أمر مهم يعزز من كفاءة إدارتها واستفادة المجتمع المسلم منها بتوفير الاحتياجات بصورة أفضل، إضافة إلى الاستفادة من هذه المناسبات لتحقيق تنمية في المجتمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي