وطني .. دمت عظيما
إنه وطني العظيم عاما بعد عام، يدون في صفحات التاريخ حضوره المجيد، حاملا في حنايا كل إنسان ينتمي إليه حضارة العرب والإسلام، يواجه تحديات العصر وتقلباته، مستندا إلى ثوابت عروبته ودينه الخاتم، وفي الوقت نفسه معتمدا على المناهج المعاصرة، توازن افتقر إليه الكثير في زمن وصلت وعورة سبله وطرقه وتضاريسه إلى ما يفوق حلم الحليم، ويحير فكر الحكيم.
حينما تُفتح صفحات الأوطان مع كل ذكرى سنوية، يفوح في قلب المرء عبق تاريخ طويل من الحب والولاء والتضحية، إنها ذكريات ليست ككل الذكريات؛ أن يتذكر المرء منا طفولته وانتماءه وماضيه وكل ما يمت بصلة إلى وجوده اليوم، وأنها تشكلت على أرض وطنه؛ ممثلا في أسرته في مجتمعه في هذا الجزء من العالم، لتتمثل في حاضره اليوم وكل يوم وجدانه وهويته وانتماءه، يواجه بها أقدار حياته الفانية، ويترجمها في مساهمته تجاه بناء وتقدم وطنه الذي هو جزء منه، لا يجب أن يحرمه بأي حال من الأحوال من هذا العز والشرف والمجد أي حائل أو عائق.
لا خلاف على الموقف من عدو الخارج، ولا نزاع حول خطورة العدو المتخاذل من الداخل، إنما قد ينشأ الخلاف حول ماهية هذا التصدي لكل ما يهدد استقرار وجودنا ممثلا في هذا الوطن العظيم، وهو أمر يمكن تجاوزه بالوعي والعلم والمعرفة! فليس أصعب على وطن مهما كانت قوته وثروته وتاريخه، من أن يدافع عنه أبناء له يثقل كاهلهم الجهل والفقر والعجز وقلة الحيلة والتدبير، ولا أكثر مناعة وقوة وصلابة في وجه أي خطر مهما كان تجاه وطن، تجد أبناءه قد تسلحوا بالعلم والمعرفة والوعي، وتجدهم ينعمون بثمار تنمية عادلة شاملة مستدامة، ومن يستطيع بعدئذ أن يشق لهم صفا أو يزعزع لهم جانبا مهما بلغت قوته، وهم يمتلكون أقوى أسلحة العصر الراهن؟
أبدأ من حيث انتهت إليه آخر البيانات الرسمية لخريطة المجتمع السعودي اليوم، التي تظهر أنه حتى نهاية 2014، ارتفع حملة الشهادة الجامعية بين أفراد المجتمع إلى أعلى من 17.2 في المائة من إجمالي السكان من سن 15 فأكثر، مقابل نسبة متدنية بالكاد تذكر لم تكن تتجاوز 3.8 في المائة في نهاية 1992، وبالتزامن مع النقلة النوعية أعلاه ذاتها، انخفضت نسبة الأمية والقادرين على القراءة والكتابة فقط من 47.1 في المائة في عام 1992 إلى ما دون 11.3 في المائة في نهاية 2014، وفي ضوء تلك الوتيرة من التحولات المجتمعية التي يخوضها مجتمعنا؛ يقدر أن ترتفع نسبة حملة الشهادة الجامعية إلى 27.8 في المائة بحلول عام 2024، وأن تنخفض نسبة الأمية والقادرين على القراءة والكتابة فقط لما دون 2.3 في المائة.
وكما أن تلك التحولات الحضارية المهمة تمثل ثقلا مهما جدا في ميزان القوة الحضارية التي وصل إليها مجتمعنا السعودي، وكيف أنها هي السلاح الحقيقي الأقوى في وجه كل المخاطر المهددة لوجود أي مجتمع أو بلد حول العالم، فإنها أيضا تمثل ثقلا له أهميته التي لا تقل عما تقدم في صلب بناء وتصميم أي سياسات وبرامج للتنمية المستدامة، ومنها يفترض أن تنطلق أية سياسات إنمائية يراد لها أن تحكم وتنظم المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، مستهدفة استثمار تلك الطاقات البشرية، وعلى وجه الخصوص الشرائح الشابة منها، وفي الوقت ذاته للتعامل مع التحديات المتوقع نشوؤها عبر الحقب الزمنية الراهنة والمستقبلية.
وكما أنه في يوم الوطن تستعاد الكثير من ذكريات الأمجاد العظيمة، فإنه من الأهمية أيضا أن تدون فيه الأحلام الأعظم التي يحلم بها كل إنسان ينتمي إلى هذا الكيان الغالي المجيد، وهي الوقود الذي يغذي همم الرجال والنساء في كل زمان ومكان، وهي أيضا المسارات التي يجب المضي فيها قدما، دون الوقوف عند نقطة ثابتة من التاريخ، وما فائدة أن تتحدث عن تاريخ مجيد عظيم، وأنت لا تستطيع اليوم إكمال خطوة واحدة فيه بناء وتطورا وتقدما؟!
إننا في مواجهة تحديات تنموية واسعة النطاق، نمتلك بحمد الله كل المقدرات اللازمة لتخطيها، بدءا من أزمات الإسكان والبطالة والصحة والتعليم وغيرها من التحديات المرتبطة بالإنسان والمجتمع، أؤكد هنا على ضرورة الاستمرار في بذل مزيد من الجهود التي بدأتها الدولة أيدها الله في تلك الاتجاهات، والمساهمة معها فردا فردا بكل ما أوتينا من قوة وعزم لأجل إيصالها إلى الأهداف المنشودة، التي تلتقي عند آخر حدودها طموحات القيادة المخلصة وتطلعات أفراد المجتمع السعودي، وألا يتوقف عمل البناء وإعمار الأرض وتطوير الحياة المعيشية، ولننظر كيف كانت حياتنا قبل نصف قرن من الزمن، وكيف أصبحت بحمد لله وشكره، فلا توقف أبدا عند حد معين من الإنجاز، ولا طموح محدود يقف عند حد معين من الإنجاز، بل عمل يليه عمل، وجهود تليها جهود، يتم بذله من الجميع دون استثناء، وهذا هو ديدن المجتمعات المتحضرة التي يتجاوز حلمها مجرد المحافظة على وجودها، إلى ما وراء ترسيخ بصمتها الحضارية على صفحات الحضارة الإنسانية.
السعودية، لها قدرها وموقعها الذي يندر أن ترى مثيله بالنسبة للكثير من البلدان في العصر الراهن، فهي جوهر العالمين الإسلامي والعربي، وهي أيضا في الوقت ذاته الشريك العالمي للمجتمع الدولي، وهي أيضا الدولة العضو في مجموعة أكبر عشرين اقتصادا حول العالم، هذه الأبعاد كما أنها تشكل عناصر تميز وقوة وثقل عالمي لا يستهان به على الإطلاق، فإن الالتزام تجاهها والوفاء بمتطلباتها يشكل أعباء جسيمة على عاتق كل فرد ينتمي إليها، لا بد أن ندرك جميعا حجم ووزن كل تلك الأبعاد.
إذا؛ نحن بمواجهة ميزان على قدر عال من الأهمية والحساسية، كل كفة منه لا تقل أهمية عن الأخرى، كفة داخلية وأخرى خارجية، قدرنا ومصيرنا مربوط بالمحافظة على استقرار كل كفة منهما، ولا يمكن أن تنجح في أداء واجبات واحدة دون الأخرى، بل لا يمكن أن تنجح تجاه كفة إلا إذا نجحت تجاه الأخرى، فنجاح كل كفة من الميزان يغذي ويعزز الكفة الأخرى.
إنها أقدار المجتمعات العظيمة، تأتي هكذا أثقل وزنا من تلك التي قد تتحملها مجتمعات أخرى دون التقليل من شأن أي مجتمع مهما كان، ولكم أتسع أفق وقلب هذه البلاد العظيمة للكثير ممن أساء إليها، فسرعان ما عاد إليها آسفا حيران، ولكم وقفت هذه البلاد الأبية مع الكثير متحملة أذى لا يحتمل، وليس هذا بمقام سرد وتدوين مواقفها التاريخية، بقدر ما أنه تأكيد على الموقف والمركز الذي تتربع عليه بلادنا، فهي البلد الحاضن والحامي لجذوة الدين والعروبة، ومهما حاول غيرها اقتحام هذا الدور السعودي، فلا شك أنه هو أول من سيتكشف فشله قبل غيره. حفظ الله بلادنا وأهلها، وأيدها بنصره وتوفيقه لتحقيق الخير والنماء والتقدم لها ولكل من وقف معها عضيدا وصديقا. والله ولي التوفيق.