المهاجر السوري الفريد
الأبعاد الإنسانية لهجرة السوريين في مدار أعلى أخلاقيا، وأحد تجليات حالة سياسية فريدة ولكنها ليست نادرة في تاريخ الهجرات حتى لو تجاوزنا الفرق الفني بين الهجرة واللجوء. حكم الأقلية في مجتمع محتبس تنمويا منذ أمد، وتجاذب طائفي بغيض جر إلى ظروف مأساوية يعانيها الكل وخاصة الأغلبية المهمشة. ما أنا بصدده هنا ليس الأبعاد الإنسانية أو السياسية على أهميتها، ولكن طبيعة "السوري" وتداعيات الهجرة على الدول المستقبلة. قوة واندفاع السوري والسورية للهجرة تدل على عمق الجرح والأفق المسدود في سورية تحت النظام الحالي، ولكنها أيضا تدل على رغبة السوري في الحياة الكريمة، وقوة شكيمته، ومرونة مخزونه الحضاري، وثقته بمستقبل أكثر إشراقا له ولذريته. لأسباب بعضها يتصل بالحاجة لتفادي التعميم، ولكن أيضا للحساسية في الطرح الصريح وما يتبعها من مقارنة حتمية، إلا أنه لا بد من ذكر أن لدى السوري خصالا تجعله مختلفا عن محيطة العربي في بعض نواحي الكفاءة. أحد أبرز بعض عناصر الاختلاف في الكفاءة يتجلى في المهنية والحرفية والابتعاد عن المبالغة في الطرح العاطفي والحرص على المال وحب الحياة. هذه الخصال تجعل استقبال المهاجر السوري مكسبا للمجتمعات الأكثر كفاءة.
هناك اختلاف جوهري في استقبال المهاجرين "لا أقول اللاجئين بسبب الجهود التي يبذلها هؤلاء" بين الدول لأسباب موضوعية. لن أخوض في الأسباب السياسية واللوم، ولكن الاختلاف في التعامل والاستعداد للاستيعاب. تحدث الكثير في الغرب عن تقصير دول الخليج عن استقبال السوريين، بينما تبدي بعض الدول الأوروبية خاصة ألمانيا والنمسا والسويد موقفا طيبا، يقابل ذلك دول أوروبية مثل سلوفاكيا وبولندا والمجر التي أبدت مواقف عنصرية بدرجة أو أخرى، بينما قدمت دول الخليج وخاصة المملكة مساعدات مباشرة وغير مباشرة. تشهد المنظمات الدولية بالمساعدات السعودية للسوريين في الأردن ولبنان، كما أن المملكة قدمت تسهيلات مباشرة لاستقبال 2.5 مليون "مقابل نحو 200 ألف في ألمانيا" عدا من كان يعيش بيننا قبل هذه الموجة. جزء من الإشكالية أن هناك ضعفا في الرسالة الإعلامية، قد يكون جزءا منها أن لدينا نزعة أخلاقية في عدم ذكر المآثر ولكن هناك إشكالية إعلامية، فنحن لسنا أحسن الدول في إبراز ما نقوم به من أعمال الخير أو حتى في ميدان الإنجازات.
ولكن هناك جانب آخر لا يقل أهمية إذ إن هناك اختلافا كبيرا بين الدول المستقبلة. لفتت نظري مقولة لأحد المسؤولين الألمان حين دعا إلى التسريع في تأهيل وانخراط السوريين في المنظومة الاقتصادية لتعظيم المصلحة من المهاجرين الجدد وخاصة قدرتهم على دفع الضرائب والمساهمة في النمو خاصة أن ألمانيا تعاني من تركيبة عمرية لا تخدم النمو. يقابل ذلك مجتمعات خليجية قائمة على الدعم غير الممنهج وفاقد البوصلة الاقتصادية، ولذلك فإن أي هجرة لهذه البلدان تعبير عن استفادة عوجاء يستفيد فيها المهاجر أكثر بكثير من استفادة المواطن. بل إن تكاثر السكان يعجل بتقصير عمر الدعم لأن الترتيب الاقتصادي اليوم يقوم على تقسيم القرص وليس تكبير القرص. اختلاف الواقع بين ألمانيا والدول الخليجية يجعل ألمانيا تقوم بعمل اقتصادي والاستفادة من جوانبه الخيرة إعلاميا، بينما دول الخليج تقوم بأعمال خيرة في المقام الأول وبنزيف مالي ولا تربح إعلاميا.
السوري شموخ وطموح، ولذلك لن يقبل أن يكون هدفا للمتبرعين من الغرب أو الشرق، ولكن تناول الحالة بموضوعية وصدق أكثر نفعا للجميع. مساعدة المملكة للسوريين مستحقة أخلاقيا وإنسانيا قبل أي تداعيات اقتصادية، ولكن تعديل البيئة والتعامل الصحي يخدم المواطن والمهاجر أو المقيم ويسهل مهمة الإعلامي.