في قيمة الوطن .. الحصن الحصين ضد مآسي اللجوء
مأساة أن تجد ملايين البشر قد أصبحوا فجأة لاجئين ومشتتين بعدما كانوا يعيشون في وطنهم في أمن وسلام، تفوق في الضراوة الذين يموتون في أوطانهم لظروف مرتبطة بالفقر والمجاعة وغيرها، ففي حالة اللاجئ يتم القفز به إلى المجهول من حيث لقمة العيش والمسكن وغياب الأمن ... إلخ .. وقضية اللاجئين هذه لم تكن إلى وقت قريب مطروحة في المجتمعات العربية باستثناء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، أما الآن فالوضع تغير بشكل دراماتيكي، وأصبح أكبر البلدان العربية مواطنوها لاجئون ومشردون في دول الجوار؛ حالة كل من سورية والعراق. فما الأسباب التي تقف وراء الظهور المفاجئ لهذه الظاهرة في المجتمعات العربية؟ كما هو المعتاد تأتي الحروب في مقدمة العوامل التي تؤدي إلى هرب البشر من أوطانهم، إلا أنه عند النظر إلى أزمة اللاجئين في العالم العربي وبالأخص في العقد الأخير نجد أسبابها تتعدد وتختلف عن غيرها، من بينها:
أولا: الحكم الديكتاتوري. مأساة المجتمعات العربية قبل المجيء بالثورات كانت في الحكم الديكتاتوري، الذي تباين من مصر إلى السودان ومن العراق إلى سورية .. ففي مصر كان هناك نظام ديكتاتوري، إنما كان أكثر عقلانية من أن يصنع فتنة طائفية توجد عنفا طائفيا داخل مجتمعه، فضلا عن أن الدولة كانت قوية بمفهومها المؤسسي ومفهوم حكم القانون .. هذا على عكس السودان الذي كان الحكم فيه طائفيا والدولة ليست من القوة، حيث إن تفرض حكم القانون، ما جعلها عاجزة عن حل مشكلات الأقاليم المتباعدة مثل إقليمي دارفور وجنوب السودان، وتعاملت معهما بمنطق بعيد عن مفهوم الدولة وحكم القانون وهو ما قاد إلى حروب ما بين الشمال والجنوب وعمليات إبادة في إقليم دارفور نتج عنها عدد كبير من الضحايا ما بين قتلى ولاجئين، وحتى بعد استقلال الجنوب ما زالت بيئة صنع حروب داخلية طائفية واثنية موجودة في السودان ما بقي الاستبداد هو الذي يحكم وليس منطق حكم القانون والمؤسسات.
وبالنسبة إلى الحالة العراقية كانت هناك هيمنة وسيطرة على كل جميع الأرض العراقية في فترة حكم صدام حسين، وقد نجح إلى حد ما في الانتصار على الرغم من ديكتاتوريته في التوحد حول مفهوم الوطن، إلا أن شطحاته في سياساته الخارجية صنعت مآسي حربه مع الكويت 1991 ومن ثم كان الحصار ثم الاحتلال الأمريكي الذي كان سببا بشكل أساسي في تفكيك أسس الدولة من الجيش والبيروقراطية التي كان يهيمن عليها حزب البعث، الأمر الذي أضعف من مفهوم الدولة، ما فتح المجال للحروب الطائفية التي لم تنته منذ الاحتلال الأمريكي حتى الآن، ولم يستطع القادمون الجدد من العراقيين أن يعكسوا في بناء المؤسسات مفهوم الوطن الواحد سواء في المؤسسات ولا في السياسات، ما أدى إلى إيجاد تمييز لأصحاب طائفة على أخرى، وهو ما تجلت قمة مأساته في ظهور تنظيم داعش وإعلان سيطرته على الأراضي العراقية بعد طرد وقتل المختلفين دينيا معهم.
وبالنسبة إلى سورية في عهد الأسد لم يختلف الأمر، فكان هناك ديكتاتور بقبضة أمنية قد تعامل مع معارضيه إما بالقتل وإما بالاختفاء الأمر الذي جعل كثيرا من النخبة يفرون هربا للعيش في الخارج، واستمر الحال نفسه مع الابن بعد رحيل الأب وما أن قامت الثورة ضد الابن حتى استخدم الإرث الديكتاتوري في قتل شعبه .. ومن هنا نلحظ أن الديكتاتورية بطريق غير مباشر هي صانعة للأزمة، ووجودها خطر على الوطن بالشكل الذي شاهدناه في كل من العراق وسورية والسودان.
ثانيا: الثورات العربية. على الرغم من سلمية الثورات العربية وقدرتها على الالتفاف حول أهداف تعكس مفهوم المواطنة والوطن بعيدا عن التصنيفات الاثنية والعرقية والدينية إلا أن انعدام النجاح في إسقاط نظام الأسد في سورية على وتيرة ما حدث في مصر وتونس أدى إلى استخدام النظام الجيش النظامي في مواجهة المعارضين له ما أدى إلى تدمير عدد كبير من المدن السورية وهرب ساكنيها إلى دول الجوار كلاجئين بدلا من أن يتم دفنهم أحياء تحت منازلهم .. فقد وصل عدد اللاجئين السوريين على مدار السنوات الثلاث الماضية إلى ستة ملايين لاجئ موزعين على دول الجوار، هذا بخلاف الذين قتلوا وتعدوا 200 ألف، والمفقودين والمسجونين في مأساة تكاد تقترب من مأساة الشعب الفلسطيني.
وإذا كانت مصر وتونس لم يحدث فيهما ما حدث في سورية، فكان التساؤل: هل من الممكن أن تمرا بالظروف نفسها وتصنعا بيئة ينتج عنها توتر وعنف يؤدي إلى أن يصبح هناك لاجئون مصريون وتونسيون في دول الجوار؟
إن أخطر ما يواجه المجتمعات التي نجحت فيها الثورة وجاءت فيها انتخابات أن القادمين الجدد كانوا يسيرون على نهج الديكتاتوريين السابقين في سياساتهم .. في مصر على سبيل المثال كان هناك انتصار للأيديولوجية الإخوانية على حساب مفهوم الوطن في سنة حكمهم، فكان يتم بشكل تدريجي أخونة مؤسسات الدولة بشكل يتنافى مع منطق العدالة، حيث تحل الأقلية الإخوانية محل الأغلبية المصرية في مؤسساتها على طريقة النهج نفسه الذي اتبعه آل الأسد في سورية بالانحياز إلى الأقلية العلوية.الحقيقة التي باتت مؤكدة الآن بعد الذي يحدث بشكل مؤسف في كل من العراق وسورية وليبيا هي أولوية الحفاظ على مفهوم الوطن الواحد وعدم التمييز بين مواطنيه على أسس عنصرية أو دينية حتى لو كانت المبررات ديمقراطية وحرية، فلا يمكن لأي قيمة منهما أن تتحقق بعد أن يضيع الوطن، ويعيش أبناؤه لاجئين.
* كاتب صحافي من مصر