موسم الهجرة باتجاهين متضاربين.. من وإلى «داعش»
حلم الهجرة باتجاه "الشمال" كما هو متعارف عليه أدبيا أو باتجاه "الغرب" كما هو متداول سياسيا، أمر ليس بالجديد على شرق هذه الأرض وجنوبها. ولكن الجديد هو ما استطاع القيام به تنظيم داعش الإرهابي، إذ استطاع من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي قلب معادلة الهجرة واتجاهاتها في زمن قصير نسبيا. فاستقطب لأراضي النزاع والقتال كثيرا من الشباب الغربي بوصفهم "مهاجرين" يبحثون عن الدم والقتال، لا عن الأمن ولقمة العيش.
بائعو الوهم
وهنا تكمن المفارقة، بين هجرتين، تقتاتان كلاهما على وعد بالسعادة والتمكين، وإن اختلفت السبل والشعارات التي يرفعها بائعو الوهم؛ الدواعش من جهة، وأصحاب القوارب، مهربو البشر من جهة أخرى. فبينما أثارت صورة الطفل السوري إيلان، صريعا وملقى على شواطئ تركيا، كثيرا من التعاطف والاستهجان العالمي تجاه ما يلقاه هؤلاء المهاجرون الهاربون من جحيم الحروب.
عمد تنظيم "داعش" إلى استغلال هذه الصورة دعائيا، بشكل معاكس، وبكثير من الشماتة والتشفي، محذرا في "فتاويه" من إثم السفر والهجرة إلى بلاد "الكفر" كما يسميها، حيث لا يستغرب التنظيم أن يكون هذا مصير من لا يمتثل لأوامره.
#2#
فالتنظيم أكثر من غيره يعلم مدى فداحة تأثير هذه الهجرة عليه. إذا ما خلت الأراضي التي يسيطر عليها شيئا فشيئا من "الحاضنة الشعبية" التي يتباهى بها وبحسن إدارته لها في كثير من المقاطع المرئية والصوتية. التي وفرت له حينها دعاية كافية، إلى حد ما، في استعراض مزعوم لحلم "الدولة" أو"الخلافة" الذي كان يروج له التنظيم، الذي استقطب من أجله كثيرا من خارج البلاد بما في ذلك الدول الأوروبية نفسها.
دروع بشرية
كما أن هذه الحاضنة توفر له داخليا أمرين غاية في الأهمية؛ أولهما الغطاء الأمني أو بالأصح الدرع البشري الذي يحتمي به التنظيم إذا ما اشتد عليه القصف الجوي.
وثانيهما المورد البشري الذي بوسعه الاعتماد عليه في عملياته المشبوهة من استخراج النفط وتكريره وتهريبه، فضلا عن الشباب والأطفال الذين يستهدفهم بالتدريب والتجنيد والتفخيخ، استغلالا لحاجتهم وحاجة ذويهم المتفاقمة يوما بعد يوم. فواقع الحال المحزن في هذه المناطق المضطربة أمنيا ومعيشيا يقول إن طفلا مثل إيلان الغريق كان مهددا مثله مثل غيره من الأطفال العراقيين والسوريين إذا ما كبر قليلا إما بالموت في صفوف التنظيم أو في مواجهة معه، إذ لا حياة بات يرجوها أحد هناك بعد أن جربوا كل شيء، بدءا بظلم الأنظمة، مرورا بجحيم الإرهاب، وليس انتهاء بمقبرة البحر الأبيض المتوسط.
وفي معرض هذا التباهي الإعلامي وحرب الوجود بين التنظيم والأطراف الغربية بمن فيها ألمانيا، التي تعهدت باستضافة كثير من المهاجرين على لسان رئيسة وزرائها ميركل. يلاحظ تركيز تنظيم "داعش" في أعماله المصورة على إبراز الأجانب كقياديين لمزيد من الترغيب.
بينما ينكر رئيس هيئة الاستخبارات الألمانية (بي إن دي) جرهارد شيندلر أن "المقاتلين" الألمان لا يتولون أدوارا قيادية في تنظيم "داعش". وقال شيندلر في تصريحات لصحيفة "بيلد" الألمانية في وقت سابق إن الدعاية الإعلامية لتنظيم داعش تنقل "عرضا محرفا تماما". وتابع: "الجهاديون الألمان غالبا ما يلعبون دورا ثانويا فقط، ويخدمون كوقود للحرب ولأغراض دعائية بشكل أساسي".
وإضافة للسوريين الذين يمثلون بحسب الأمم المتحدة ما نسبته 63 في المائة من كل المهاجرين إلى أوروبا، هناك المهاجرون العراقيون المتوقع تزايد معدلات هجرتهم مستقبلا إلى أوروبا، فبحسب إحصائيات عراقية، أكثر من ثلاثة ملايين عراقي فروا من منازلهم بعد أن فرض تنظيم "داعش" سيطرته على مناطق محافظات الموصل والأنبار وصلاح الدين وكركوك وبعقوبة والحلة في العاشر من حزيران (يونيو) عام 2014 خلال حقبة رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، حيث انسحبت القوات العراقية من مواقعها وتركت أسلحتها ومعداتها العسكرية.
واضطرت العائلات النازحة إلى الفرار إلى مدن إقليم كردستان في أربيل ودهوك والسليمانية وإلى مدن بغداد وكربلاء والحلة والنجف وواسط، حيث أقيمت لها مخيمات للنازحين تفتقر لأبسط مقومات الحياة في ظل ظروف جوية قاهرة في العراق حيث ارتفاع درجات الحرارة في الصيف وانخفاضها في الشتاء.
هجرة جماعية
من جهته، حذر رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك من أن أزمة تدفق اللاجئين على أوروبا هي بمثابة "هجرة جماعية" ستستمر لسنوات عديدة. وقال توسك في خطاب أمام "معهد بروغل" وهو مركز أبحاث أوروبي في بروكسل إن "موجة الهجرة الراهنة ليست حادثا ظرفيا، بل بداية هجرة جماعية حقيقية، ما يعني أنه سيتعين علينا أن نعالج هذه المشكلة على مدى سنوات عديدة آتية". وأضاف "من المهم بالتالي أن نتعلم كيفية التعايش معها (الأزمة) من دون أن يتهم واحدنا الآخر".
"داعش" الذي روج قبل أسابيع، في عمل مصور، لسك عملة ذهبية، مدعيا بدء تداولها بين العموم من الساكنين في المناطق التي يسيطر عليها. كل تصرفاته توحي بتمكن حلم الدولة المزعومة من خيالات قياديّيه ومن يقف خلفهم. المدركون أنه لا دولة بلا أرض ولا شعب. لذلك لا تكاد تخلو خطاباتهم ودعايتهم من تصور لهذه الأرض واقتصادها وسكانها. طمعا في مزيد من "الهجرة" إليها. ولكن ما يحدث أخيرا هو العكس مع هذا التدفق المفاجئ للمهاجرين انطلاقا من سورية وليبيا والعراق باتجاه الغرب.
يبقى أن هذا الفعل وهذه الهجرة المعاكسة جماعيا تمثل تقويضا، فكريا وماديا ومعنويا، لمزاعم داعش. تقويض فكري ومعنوي لادعاءاتهم المتكررة بتقبل الأهالي لعدالة وتشريعات دولتهم المزعومة. وهو أيضا تقويض مادي، إذ يسهل لمجندين سابقين متململين من التنظيم ولكنهم يخشون بطشه، التخفي والهروب وسط هذا الفرار الجماعي.
كما أنه تقويض لما تبقى من حواضن شعبية تتداعى شيئا فشيئا، وطبقة بعد أخرى، وهي التي اضطرت في يوم من الأيام إلى التعامل مع "داعش" بشكل مباشر أو غير مباشر لضمان ما تبقى من مقومات العيش. أما اليوم وباب الفرار مفتوح على مصراعيه فلم يعد هناك ما يمنع أو يقف عائقا أمام هذا الهروب الجماعي إلا البحر. ولكن البحر، في نظر هؤلاء الفارين، بعد هذه السنوات العجاف والتجارب المريرة، يبقى أرحم من نار الدواعش وجحيم الأنظمة.