متقاعد يتبرع
أعجبني خبر مفاده قيام متقاعد بحراسة مدرسة بنات لمدة أربع سنوات ردا لجميل المدرسة على قريته التي نشأ فيها. جمال الأمر يأتي من إبرازه مفاهيم نتمنى أن تنتشر، أولها عودة المتقاعد إلى حيث نشأ ليسهم في خدمة مجتمعه، ويضيف إلى فرص بقائها ونموها.
عندما يعود كل متقاعد إلى مسقط رأسه ستتكون في البلاد منظومة من المدن والحواضر التي تستقطب الاستثمار وتنشط الحياة الاجتماعية وتسهم في نشر الخدمات على خريطة الوطن.
أعطيكم مثالا بسيطا على قرية يسكنها أيام الدراسة عدد لا يتجاوز العشرة في أفضل الأحوال. هذه القرية تتحول إلى حي نشط ويصل تعداد سكانها إلى أكثر من عشرة أضعاف في الإجازات. هذا وكثير من أبنائها لا يحبذون قضاء الإجازة فيها.
يمنع انعدام الخدمات الأساسية ــ غالبا ــ عودة كثير ممن يسهمون في اكتظاظ المدن الكبرى، ففي دولة مثل المملكة يضطر سكان عشر مناطق للتوجه إلى الثلاث المزدهرة خدماتيا، خصوصاً في مجالي الصحة والتعليم العالي.
تستأثر الخدمات الصحية حالياً بالقدر الأكبر من القلق لدى كبار السن، فانخفاض مستواها، وحاجتهم الماسة إليها، تدفعهم إلى تحمل الازدحام والضجيج والتلوث الذي يميز المدن الكبرى. هنا يمكن أن يرجع القارئ إلى دول العالم التي تختار مدنا صغرى لإنشاء المراكز الطبية ذات التخصصات النادرة. بعكس حالنا التي لن تجد فيها مستشفى تخصصيا إلا في المدن الثلاث "الكبرى".
أما التعليم العالي فهو في طريقه إلى الحل بعد أن انتشرت الجامعات في كل مناطق المملكة، على الرغم من عدم توافر مقاعد في تخصصات معينة وتكدس أخرى.
أعود إلى بطل قصة اليوم وهو رجل أتمنى أن ينشر مفهوم الخدمة العامة على أن مفهوم الخدمة العامة والمشاركة المجتمعية يتجلى عادة في مجالات لا تتولى مسؤوليتها وتسييرها مؤسسات الدولة. أزعم أن نوعية الرجل ممن يحرصون على الأبناء والبنات، ولهم جذور في القرية، أقرب إلى تحقيق الفائدة المرجوة من تعيينهم في مواقع مثل حراسة المدارس وخدمتها.
أختم بتأكيد عدم قناعتي برفض تعيين الرجل بسبب عمله السابق في قطاع أمني، ولا أدري ما هو المستند القانوني الذي رفض بناء عليه تعيين الرجل، فهناك عدد من الأنظمة التي يعين عليها موظفو الدولة، والأسوأ عدم توفير بديل طيلة أربع سنوات عملها متبرعا لوجه الله تعالى.