رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


التقشف بين الحاجة والعبر

ورد تصريح لوزير المالية من واشنطن يلمح للحاجة للتقشف والاقتراض الداخلي، حيث تحدث عن إصدار صكوك وطمأن الجميع على وضعية المملكة المالية والتركيز على الاستثمار وبعض التقشف، (اقترحت ذلك في عمود: هل اقتراض الحكومة مناسب؟) على خلفية انخفاض أسعار النفط والظروف المالية والاستثمارية وتكاليف الحرب، في ظل هيمنة دخل النفط على الحالة المالية لا بد من التقشف في حالة استمرار أو حتى استقرار النفط عند هذا المستوى. للمملكة تجارب في إدارة المالية العامة في أثناء نزول أسعار النفط لمدة معتبرة إذ لا تزال تجربة الثمانينيات وبداية التسعينيات عالقة في الذهن (لاحظ العلاقة غير المتوقعة بين الحرب وأسعار النفط في كلا الفترتين). في عام 1982 كان الاحتياطي الخارجي قرابة 130 مليار دولار وقد يكون أكبر من الاحتياطي الآن (الذي بلغ 690 مليارا في منتصف 2015) قياسا على حجم الميزانية أو الدخل القومي الإجمالي) ولذلك علينا الحذر، ولكن بغض النظر عن الأرقام المبدأ والتجربة متشابهان إلى حد كبير؛ ولذلك لا بد من استخلاص فكر جديد من تجارب طويلة.
أحد أعراض التقشف كان النقص الحاد في الاستثمارات الرأسمالية على حساب الاستمرار في المصروفات الجارية، وكلاهما ضروريان ولكن الأول يتعامل مع البناء والنمو المستقبلي بينما الثاني يتعامل مع استحقاقات الاستمرارية غير المعنونة أحيانا، لا تزال ملاءة المملكة وتصنيفها المالي في وضع متين مما يسمح لها بالاقتراض كما ذكرت سابقا على الرغم من التعديل التصنيفي ولكن يسمح لها أيضا بخيارات اقتصادية في ظل وضعية مختلفة في الدرجة على الأقل من الثمانينيات وبداية التسعينيات. الاقتراض يكون في أحسن استعمالاته إذا وظف استثماريا، اقتصاد اليوم أكبر حجما وأكثر تعقيدا وأكثر مطالبة بالأداء. الصورة الكلية ستكون في الأخير مزيجا من تصنيفات أخرى مثل المساعدات الخارجية والحرب والاستثمار والاستهلاك والدعم ولكن الإشكالية في نوعية الاستثمار وكفاءة توظيفه. آفة الاقتصاد السعودي اليوم ليست في حجم الاستثمار وإن كان ما زال يعاني من نقص ولكن في كفاءة العلاقة بين الكلي والجزئي من ناحية عامة وفقر الإدارة الجادة والدقيقة في الجزئي خاصة (لهذا الفقر أبعاد أخرى مؤسساتية لن ندخل فيها الآن). وهذه أيضا علاقة غير متوقعة؛ إذ إن الكلي تحت القطاع العام بينما الجزئي في غالبه تحت القطاع الخاص، هذا التجاذب يستوجب مستوى أعلى من الكفاءة في إدارة العلاقة بين الكلي والجزئي من ناحية ورعاية ودقة ومثابرة المسؤولين عن إدارة الاقتصاد الجزئي، الأداء الكلي مقبول نسبيا ولكن الأداء الجزئي غير مقبول، لا بد من أمثلة حية توضح عدم المواءمة بين الكلي والجزئي من ناحية وعدم الدقة والربط من ناحية أخرى.
فمثلا نتحدث كثيرا عن نقل التقنية والاستثمار من خلال توظيف برنامج "التوازن" ولكن هناك ضبابية غير معهودة وبرامج غير صناعية في الجزء المؤثر منها على الرغم من محاولة وزارة الاقتصاد والتخطيط ترقية المتابعة ولكن المتفق عليه أن الفرص والمبالغ في مجملها لم تستغل بالدرجة والتكامل المطلوبين لتحديث الاقتصاد الجزئي خاصة في العقدين الماضيين. المثال الآخر في تكاثر الجهات المسؤولة عن الطاقة سواء من ناحية إيجاد مظلة واحدة أو من ناحية الجزئيات. فهناك «أرامكو» وشركة الكهرباء ووزارة البترول ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم ومدينة الملك عبدالله للطاقة المتجددة والمؤسسة العامة للتحلية، نادرا ما تجتمع فرصة التقشف والتكامل والخيارات العامة في مثل قطاع الطاقة، في الجزئيات تقوم شركة الكهرباء بجهد كبير وشفافية أعلى من شركة أرامكو على سبيل المثال وهذا أيضا غير متوقع، من ناحية توقيت التكلفة مثلا على شركة الكهرباء أن تأخذ فرصة نزول أسعار التوليد والسعي للتحديث المتواصل، بينما تتأخر «أرامكو» في توطين وتكامل صناعة الخدمات النفطية. يبدو أن «أرامكو» تبتعد تدريجيا عن الكفاءة النسبية في الوسط الاقتصادي في المملكة. تستمر المشتريات الحكومية بعيدة عما أعلن عنه من سياسات منظمة لهذا الشأن. مثال آخر لم ترتق المنافسة إلى الدراسات الاقتصادية الواضحة والمعلنة عن مستوى المنافسة لكل صناعة أو مجال تجاري.
لا أرى تناقضا بين الحاجة للتقشف واستدراكات إدارية عميقة غير مألوفة للوقوف على كفاءة الاقتصاد الجزئي وجزئياته التفصيلية. هذه تستدعي نظرة أكثر دقة ومعرفة تحليلية من جهات أعلى، هذه الجزئيات هي مكونات الماكينة الاقتصادية. التقشف ضروري ولكنه ليس حلا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي