الهجرة في ضمير العالم .. ادفع كل ما تملك لتفقد أغلى ما تملك
في كاريكاتير مؤثر لصحيفة غربية يقف قارب خفر سواحل ضخم مدجج بالسلاح أمام قارب خشبي صغير، متهالك ومكتظ بركاب، يحاولون العبور إلى الضفة الأخرى من العالم. فيسألهم الجندي "من أين أنتم" ليأتيه الجواب الصادم والمعبر: "من الأرض".
عولمة الحدود
جواب مختصر ولكنه يصف الحال ببلاغة قل أن يجيدها أعتى الساسة المفوهين. كما أنه يفتح الباب لتأويلات أخلاقية وسياسية عديدة حول جدوى هذه الحدود الجغرافية التي وضعها الإنسان على هذه الأرض ليميز بها وطنه عن أوطان الآخرين دون أن يوجد في ذلك الوطن أبسط مقومات الأمن والاستقرار.
فقبل هذه الحدود كانت الحروب أقل فتكا بالإنسان إذ يجد الفرد في اتساع الأرض مخرجا أخيرا ينجيه من مصائب الحروب. أما اليوم فالحروب أشد فتكا حين تحاصر الشعوب داخل حدودها المشتعلة أصلا، مع غض الطرف، دوليا، سياسيا وأخلاقيا، عن ممارسات قادتها المتنمرين، كما يحدث اليوم جليا في سورية، وشعبها الذي يعاني الأمرين. فتطرف النظام وإرهابه من جهة، وتطرف الإرهاب ودواعشه من جهة أخرى.
تاريخيا، الهجرة ليست حكرا على العرب أو الأفارقة فقد عرفها الأوروبيون، المختلفون اليوم فيما بينهم في جدوى استقبال المهاجرين، حين هربوا وعائلاتهم من ويلات حروبهم العالمية إلى نعيم "الحلم الأمريكي" قبل عقود ليست بالبعيدة، بالطرق والمخاوف ذاتها.
كما أنها تكررت آسيويا في سبعينيات القرن المنصرم في ما عرف حينها بأزمة القوارب الفيتنامية. حيث آلاف من الفيتناميين آثروا الهرب بأطفالهم وأزواجهم من عنف أوطانهم إلى دول جنوب شرق آسيا بقوارب منها من حملتهم إلى دول رفضت استقبالهم كماليزيا وإندونيسيا ومنها من لم تمهلهم الانتقال إلى معاناة أخرى فغرقت بهم في عرض البحر تماما كما يحدث اليوم على شواطئ إيطاليا وتركيا.
غرق أوروبا
مشاهد إنسانية مأساوية تتكرر تاريخيا، وتوثيقها بالصوت والصورة والمقال والكاريكاتير يتكرر أيضا. لكنه لم يغير من واقع الحال شيئا يذكر، رغم ما يتمناه كثير ممن يستعرضون هذه الصور حين ينشرونها أملا في أن تحيي هذه المشاهد غفلة ضمير العالم السياسي.
ليأخذ في الاعتبار على أقل تقدير أحوال هؤلاء اللاجئين وظروف بلدانهم السياسية الصعبة التي اضطرتهم لهذه المخاطرة قبل الأخذ في الاعتبار ظروفهم الإنسانية التي أقل ما تستحق الاحتواء والرحمة.
#2#
فمأساة كوباني المدينة السورية الكردية لم تؤثر إعلاميا عند اجتياحها بكاملها من قبل "الدواعش" كما أثرت صورة طفلها الغريق "عيلان" على شواطئ تركيا المجاورة بعد محاولة هجرة فاشلة دفع والده مقابلها كل ما يملك ليفقد مقابل ذلك أغلى ما يملك.
وتساءلت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية "إذا لم تغير هذه الصور القوية جدا لطفل سوري ألقت الأمواج جثته على شاطئ، موقف أوروبا فما الذي سيغيره؟". وفي إيطاليا، كتبت صحيفة "لاريبوبليكا" في تغريدة "الصورة التي تسكت العالم"، بينما رأت فيها صحيفة "البايس" الإسبانية "رمزا لمأساة الهجرة". وعنونت الإسبانية "ايل بيريوديكو" أيضا "غرق أوروبا".
إنسانيا، لا يختلف الكثيرون حول عذابات الشعوب التي تضطر إلى الهجرة باتجاه الشمال بحثا عن عيش كريم وأوضاع مستقرة. ولكن سياسيا يكمن الخلاف والاختلاف رغم أن السياسة "المتخاذلة" هي المتهم الأول والأخير في هذه الأوضاع الإنسانية الصعبة.
فالآراء تتفاوت بين الشرق الأوروبي وغربه. حيث يرحب الغرب الأوروبي كفرنسا وألمانيا وغيرهما باستقبال المهاجرين وفقا لحصص يقرها الاتحاد الأوروبي خوفا من أن يؤدي تدفق المهاجرين إلى تهديد "حرية التنقل" التي تشكل أبرز مبادئ قيام الاتحاد الأوروبي. بينما يرفض في المقابل كثير من دول غرب أوروبا هذه المحاصصة وهذه المخاوف.
ضمير العالم
وما يزيد من حجم هذا الخلاف كون هذه الدول الرافضة هي في الحقيقة دول "العبور" التي لا يمكن لقاصدي دول غرب أوروبا الوصول إليها دون العبور بها إذ تحتج هي أيضا بظروفها الصعبة حيث توضح استطلاعات الرأي أن نحو 80 في المائة من شرق أوروبا الذي يتحمل العبء الأكبر للهجرة لا يرغب في هؤلاء الوافدين الجدد. أما غرب أوروبا فأكثر ترحيبا بأعداد تبلغ نحو نصف هذا العدد.
من جهته، يرى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن "الأهم هو جلب السلام والاستقرار" إلى مناطق الأزمات بدلا من التكفل "بمزيد من اللاجئين".
فطبقا لبيانات مفوضية الأمم المتحدة للاجئين فإن 63 في المائة من كل المهاجرين إلى أوروبا سوريون حيث أخرجت الحرب في سورية وما حولها تسعة ملايين إنسان من بيوتهم. غير أنه ومنذ بدأت الحرب في آذار (مارس) 2011 لم يسمح بالفعل بدخول أوروبا سوى لعدد 150 ألفا.
إلى ذلك فإن السلام والاستقرار لا يأتي بالنيات الحسنة المجردة فقط. ولكن بالعمل السياسي الفوري والمؤثر عوضا عن انتظار المشكلات حتى تتفاقم كما هو حاصل ويحصل في الأزمة السورية ومن قبلها العراقية.
يبقى أن "ضمير العالم" المتخاذل لن تبقيه يقظا – مع الأسف ـــ الصور العابرة مهما بلغت قسوتها، لفترة طويلة.
ونسيان حوادث تاريخية سابقة خير شاهد. إلا أن تكاتف العالم سياسيا وإنسانيا في وجه الظلم والإرهاب هو اليقظة الوحيدة التي بات ينتظرها شعب كالشعب السوري اليوم، كل ما أراده، العيش على أرضه، مع أطفاله ومن أجلهم، في أمن وسلام.