ثلاثة
عندما عاد الطفل في الصف الثالث ابتدائي، محمد سعد المقهوي، من مكة مع جدته هرع إلى أبيه في المطار قائلا: "أبي ركبت الطائرة ثلاث مرات حتى الآن". كانت السعادة تكسو المطار قبل أن ينطق محمد جملته تلك. لكن تبخرت الأجواء الإيجابية حينما نطق كلمة (ثلاث) حيث تعثر فيها مرارا. ظل يعيدها طويلا ما أثار قلق أبيه، رحمة الله عليه وجدته. منذ تلك الجملة ومحمد يغرق في أي جملة يتفوه بها. يستنجد بمن حوله حتى يستطيع أن يكمل أي عبارة تندلع من لسانه. تأزم وضع محمد فأصبح لا يتأتئ في نطق الكلمات فحسب بل أمسى لا يستطيع أن يتكلم مطلقا. اجتاحه فيروس الصمت. والأسوأ من الصمت وعدم القدرة على التعبير أنه بات يتلقى توبيخا من معلميه وبعض أقاربه ظنا منه أنه يتعمد السكوت. كان محمد يعمل على انتزاع الكلمة من داخله انتزاعا دون جدوى. يقاتل بلا نجاح. وزاد الوضع تعقيدا أن لا أحد يعي الحالة المرضية التي يعيشها. يعتقدون أن ما يحدث له خجل أو هلع بينما هي معاناة حقيقية، وألم دائم.
استمر محمد صامتا طوال معظم سنوات دراسته يتكلم لماما بكفاح انشغل بدراسته حتى يعوض نقطة ضعفه المتجسدة في صمته، نجح من الثانوية بتفوق ودخل كلية الطب التي تستهويه مدعوما بدعوات أمه وحلمها، استمر صامتا طوال عاميه الجامعي الأوليين، كان يكتم أسئلته العديدة التي يرغب في توجيهها للأساتذة في نفسه حتى لا يتعرض للحرج أمام زملائه، كان ينزف داخليا، وكاد هذا النزيف أن يقتله، نقطة التحول صارت له في عامه الثالث (رقم 3 مؤثر في حياته كونه أحس بمشكلته أولا عندما نطق ثلاثة حينما كان في الصف الثالث) وذلك عندما حضر دورة للدكتور إبراهيم الفقي، رحمه الله، في تطوير الذات والتنمية البشرية. خرج من تلك الدورة برغبة جامحة في تطوير أدواته وإيقاف نزيف صمته.
راجع إخصائيين نفسيين. نصحوه بثلاث: أولا: الاعتراف بالمشكلة ومواجهتها وعدم إدارة ظهره لها. ثانيا: التدريب على القراءة بصوت عال أمام الأصدقاء والأخذ بملاحظاتهم واعتياد الحديث على رؤوس الأشهاد. ثالثا: الاسترخاء قبل الحديث أمام الجمهور والتأكيد لنفسه أمام المرآة أنه قادر ومؤهل.
تخرج محمد طبيبا وتخصص في الطب النفسي وبات محاضرا واعدا لا يشق له غبار، تغلب على التأتأة ومشكلته وبدلا أن يصبح شابا متعثرا بات ملهما لأبناء جيله، طبيبا ومحاضرا يساعد وينتج ويبتسم.
أمامك يا صديقي خياران عندما تواجهك مشكلة، إما أن تهزمك أو تهزمها، بيدك الخيار وليس بيد أي شخص آخر، فها هو محمد حول (3) من رقم سلبي إلى إيجابي يتذكره بحبور، دع مشكلتك ذكرى سعيدة تغير حياتك إلى الأفضل.