أنا وبعدي الطوفان
مثل تبناه كثير من مجرمي العصر الحديث، أولئك الذين رموا شعوبهم ودولهم إلى حالة الفشل والفاقة بسبب رغبتهم في البقاء ورفضهم الاقتناع بأن الأمور تغيرت وأن الوطن أكبر من المذهب أو الشخص.
يذكرني ما أشاهده هذه الأيام من تدمير غير منطقي تنفذه الميليشيات في اليمن بما حدث ويحدث في العراق وسورية وليبيا، محاولات إفشال الدولة وهزيمتها على مبدأ أنا وبعدي الطوفان، لكن القصة لم تبدأ من هنا.
في مراحل سابقة حاول اليمن أن يتعايش مع واقع كان يفتقد العدالة والمنطق، واقع استغله علي صالح ليفرض سيطرته على كامل التراب اليمني من خلال تأجيج الصراعات القبلية والمذهبية وتعيين المقربين منه والموالين له في مناصب مهمة، خصوصا في المواقع العسكرية.
دهاء الرجل سمح له بأن يؤثر في مفاهيم وقناعات كثيرين من شيوخ القبائل والمسؤولين ورجال الأعمال. خلال هذه العملية تمكن من تحويل شخصه إلى حلال المشكلات والمقرب بين المختلفين، فهم الصغار خطته لأنهم كانوا يفقدون كل يوم جزءا مهما من مكتسباتهم. الوظائف والاقتصاد كانا العنصرين الأهمين في قيام مجاميع الشباب بثورة على حكم عفاش.
أما الكبار فاستمر يخدعهم ويرمي لهم الفتات ويستأثر لنفسه بالمليارات. عندما نشأت الحركة التحررية الكبيرة في اليمن، لم يعرها علي صالح كثيرا من الاهتمام، لكنها كانت الشرارة التي أدت إلى خروجه. مجلس التعاون كان الجهة الوحيدة التي تفهمت الهم اليمني وحاولت أن تسيطر على الوضع وتضمن سلامة الوطن والمواطن.
على الطرف الآخر من معادلة أنا وبعدي الطوفان، أسهمت حروب علي صالح مع الحوثيين خلال السنوات الثماني السابقة في تقوية روابط الحوثي مع إيران. روابط بدأت منذ أن تبنى قادة الحوثيين نشر الثورة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية، بما يؤثر في هدفها الأكبر وهو السعودية.
سمحت حالة الفوضى التي انتشرت هناك وعمليات عسكرية بين الجيش والحوثي بالدفع بمزيد من السلاح والعتاد العسكري إلى اليمن عبر الحدود التي كانت بعيدة عن سيطرة الدولة. إلا أن احتلال صنعاء كان أخطر مرحلة في التدخل الإيراني عندما تحول مطار صنعاء إلى مركز لتسلُّم كل أنواع الأسلحة والذخائر من إيران.
باع هؤلاء وطنهم كما فعل من سبقوهم، لكن مصير مجرمي العصر هو مزبلة التاريخ ولعنات الأجيال القادمة.