وفاة المعلم
تهتم الدول المتقدمة بالمعلم اختيارا وتأهيلا وتوظيفا، بل إن دولا بعينها نجحت في تجاوز الآخرين من خلال عنايتها بالمعلم وإعطائه حقه من الاهتمام والتقدير كسنغافورة واليابان وغيرهما.
الشدة والدقة والمطالبة بالتميز قد تؤثر في قبول المعلم في سنوات الدراسة، لكنها تجعله في مقام أكبر كلما تقدم العمر بطلبته وتذكروا أن شدته وحرصه نابعان من حبه واهتمامه ورغبته في نجاحهم.
ليست الأحوال بهذه الوردية دائما، ذلك أن المعلم قد يفقد احترام طلبته لأسباب كثيرة. يسيء المعلم لنفسه ومهنته عندما يدخل المجال وهو لا يأبه بالقيم الحاكمة التي تميز هذه المهنة الأهم.
المعلم الذي يمارس دور الرسل في تعليم الناس وتعريفهم بمجال معين من مجالات حياتهم ومستقبلهم، يجب أن يكون مؤمنا بالمردود العظيم لنجاحه في أداء مهمته على مستوى الدولة وليس الأفراد فقط.
كنت أقف بجوار صديقي في استقبال ضيوف، وعندما مر أحدهم تقدم إليه صديقي وقبَّل رأسه، ونظر إليّ مفتخرا وقال: هذا معلمي أقبل رأسه اعترافا بجميله. تصرف مهذب من تلميذ اعترف بفضل معلمه.
قبل يومين شاهدت أردوغان يحمل نعش معلمه مقتطعا من وقت عمله، وقبل سنوات شاهدت الملك عبد الله ـــ رحمه الله ـــ يرحب بمعلمه ويمازحه، ويذكره بشدته مع طلبته الدالة على حرصه على أن يلمعوا وينجحوا في حياتهم.
وفاة الشيخ يوسف الدميني أطلقت الكثير من ردود الأفعال التي شهد أهلها للرجل بالخير وحب العلم والنفع الذي تجاوز الفصل ليظهر في محاضراته في المساجد.
نماذج المعلمين الأفذاذ موجودة في كل مكان، بل تعودنا من الأولين أن ينسبوا الفضل في نجاحهم إلى معلم بعينه. سألت كثيرين من شباب اليوم عن المعلم الذي كان له الأثر الأكبر في نجاحهم. كانت الإجابات متفاوتة، لكن الأغلبية لم يكن لديهم اسم معين، بعكس أسلافهم.
هذا ما نحتاج إلى أن نركز عليه في المملكة. هناك الكثير من المعلمين المميزين، لكنهم يفتقدون التأهيل المناسب أو يعملون في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم أو ديارهم أو اهتماماتهم لأسباب كثيرة. عيوب تسهم في فقدان مكون مهم جدا في صناعة مستقبل الوطن.
يستدعي الحال أن نعود إلى دراسة منطقية وعمل منهجي لإصلاح الوضع في مدارسنا لتعود إلى تحفيز العمل والتفوق والإبداع مرة أخرى.