الطبيب المقنَّع
في يوم صيف قائظ من عام 1941 حين وصل السيرك إلى مدينة بروكفيلد الصغيرة في نيويورك وتدفق المتفرجون ليشاهدوا السائرين على الأسلاك والمهرجين المشردين أو الصواريخ البشرية التي تنطلق من تلك المدافع الضخمة، والمصارع القوي "بول والكر" ذا العضلات المفتولة الذي قد يفتك بك من أجل دولار، وفي أثناء العروض ارتفع الصراخ في السيرك للبحث عن طبيب ينقذ مروض الأسود الذي حشر رأسه بين فكي الأسد ثم سقط فاقدا الوعي بلا حراك. وعندما عاد للوعي بعد بضع دقائق رأى وجها مألوفا ينحني عليه لقد كان "بول والكر" الرجل القوي الذي أنقذ حياته بإعطائه تنفسا صناعيا بالفم!
ولم يكن ذلك المصارع القوي والمنقذ سوى طالب في كلية الطب في عامه الثالث، ويعمل مع السيرك سراٍ في الصيف ليدفع أقساط كليته! لعب دور الوحش في السيرك والمنقذ في مهنته الحقيقية. صارع باحتراف في الأمسيات وفي العطلات مستخدما عدة أسماء مستعارة منها "بول والكر"، و"المعجزة المقنّع"، واستمر في إخفائه شخصيته حتى بعد تتويجه بطلا للأوزان الخفيفة على مستوى العالم.
عاش "جون ج. بونيكا"، وهذا اسمه الحقيقي، هذين العالمين المتوازيين، كان مصارعا، وكان طبيبا. كان معالجا، وكان بطلا تسبب في الألم وعالجه لاحقا، ولم يكن يعلم في حينها ما الذي سيحدثه شعوره بالألم وتسببه فيه من انقلاب في عالم الطب لدرجة أن مجلة "التايم" أطلقت عليه الأب الروحي لتأسيس مسكنات الألم!
تخرج بونيكا في كلية الطب عام 1942 وتزوج من إيما حبيبته التي التقاها في إحدى مبارياته، وظل يصارع في السر لتحسين دخله فعمله في مستشفى "القس فنسنت" في نيويورك لا يوفر له الدخل الكافي.
المباريات وما سببت له من تشوهات في جسده كان يخفيها في الصباح بقناع الجراحة، وما عانته زوجته أثناء ولادتها حين أعطاها طبيب متدرب جرعة عالية من المخدر وإنقاذه لحياتها وحياة ابنته التي لم تولد بعد في اللحظات الأخيرة، جعلت "بونيكا" يهب حياته لعلم التخدير الذي ساعده لاحقا على تطوير المسكنات.
بدأ بونيكا كفاحه ضد الألم بملاحظة الحالات التي عارضت كل ما تعلمه، حيث كان من المفترض أن يكون الألم جرس إنذار للإشارة لمكان الإصابة فقط، ولكنه لاحظ استمرار شعور المريض بالألم حتى في الأعضاء المبتورة وأحيانا دون إصابة!
خصص اجتماعا يوميا مع الأطباء من جميع التخصصات لمناقشة الألم، وقرأ كل كتاب طبي يقع في يده، وكانت دهشته كبيرة حين وجد أن الألم ذكر في 17 صفحة من بين 14 ألف صفحة قرأها، لذا كرس السنوات الثماني التالية لكتابة الصفحات المفقودة عن الألم، وكتب ما يعرف بـ "الكتاب المقدس للألم" أعاد فيه صياغة الهدف الأهم من الطب، حيث لا يكن الهدف هو جعل المرضى أفضل، بل جعل المرضى يشعرون بأنهم أفضل.
لقد ناضل من أجل برنامجه للألم لعقود، قبل أن يتم اعتماده في منتصف السبعينيات وإنشاء المئات من عيادات الألم في كل أنحاء العالم.