سرت الليبية على خطى الرقة والموصل حاضنة جديدة للدواعش

سرت الليبية على خطى الرقة والموصل حاضنة جديدة للدواعش

في الوقت الذي تركز الحديث عن الهزيمة التي تكبدها تنظيم داعش في مدينة درنة في منتصف حزيران (يونيو)، كان التنظيم ينمي أصوله وقدراته ببطء في منطقة سرت الليبية خلال الأشهر القليلة الماضية. وهذا هو المثال الأول الذي يدل على أوجه الشبه الكثيرة جدا بين تنظيم داعش في ليبيا وبين التنظيم الأم في العراق والشام. فخلافا للوضع في مدينة درنة - منشأ تنظيم داعش في ليبيا - لم تبق في سرت أي فصائل متمردة تنافسه على السلطة.
ويعود ذلك، بحسب تقرير أعده هارون زيلين الباحث في معهد واشنطن إلى عدة تطورات، بينها الانشقاقات من الجناح الجهادي المحلي لتنظيم "أنصار الشريعة في ليبيا"، والتسويات التي توصل إليها تنظيم داعش في ليبيا مع القبائل المحلية، وانضمام أنصار الرئيس السابق معمر القذافي من مسقط رأسه في سرت إلى تنظيم داعش في ليبيا أو رضوخهم لاستيلائه على المنطقة، بطريقة مماثلة لما قام به البعثيون سابقا في العراق. ونتيجة لذلك، قد تصبح سرت عما قريب عاصمة تنظيم داعش في ليبيا، مثلها مثل مدينتي الرقة في سورية والموصل في العراق.
نظرا لقيام تنظيم داعش باستيعاب شبكة أنصار الشريعة في ليبيا في صفوفه، مقنعا إياها بتقديم البيعة لزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في أواخر خريف 2014، فإن تنظيم داعش في ليبيا وجد أرضية جاهزة للبناء عليها وتوظيف نفوذه في المنطقة. فكانت سرت أول مدينة ينشط فيها تنظيم "أنصار الشريعة" في ليبيا خارج قاعدته في بنغازي، بدءا من أواخر حزيران (يونيو) 2013.

غياب المنافس

منذ حزيران (يونيو)، أصبح تنظيم داعش في ليبيا أكثر تمرسا في عملياته في سرت، وحتى متخطيا جهوده السابقة في درنة، ويعود ذلك إلى غياب أي منافس له في سرت. فقبل حزيران (يونيو)، كانت أنشطة التنظيم تقتصر على "الدعوة" و"الحسبة" كـ: توزيع المنشورات، وإقامة المنتديات، وتحويل المسيحيين إلى اعتناق الإسلام، وتطبيق "التعازير" و"الحدود".
ولكن بعد هزيمة تنظيم داعش في درنة وتوسع نفوذه في سرت، توجه كثير من عناصره غربا للمساعدة في تعزيز جهود السيطرة والحوكمة هناك. ورغم أنه ما زال يمارس أنشطة "الدعوة" و"الحسبة"، إلا أن التنظيم دخل الآن في طور بناء الدولة - حيث يريد أن يثبت للسكان أن الحياة مستمرة وأن وجوده في المنطقة أمن لهم الحياة الطبيعية والاستقرار. وقد مارس تنظيم داعش في العراق والشام جهودا مماثلة الخريف الماضي في العراق وسورية، حيث رفعت عناصره أعلام التنظيم السوداء بفخر على أعمدة الكهرباء، كما نصبت لوحات لـ "الدعوة" في جميع أرجاء المدن، وقامت بجولات في مختلف المصانع، وسلطت الضوء على مشاريع التنظيم العامة، ونشرت صورا تظهر جمال الحياة والهدوء في المدينة. وبالمثل، أظهرت عناصر "داعش" في ليبيا في مدينة سرت تبجحا بصور للمدينة وبمرفأ سرت وبالأسواق المكتظة ومتاجر البقالة المليئة بالمنتجات. وزينت أيضا مدخل المدينة بأعلام التنظيم، ورفعت لافتات لـ "الدعوة" ونظفت الشوارع وزينتها، ومنحت "الزكاة" للمحتاجين، وزارت مستشفى ابن سينا، وأجرت جولات في مصانع القرميد والألمنيوم والرخام والحليب المحلية.
ومن بين أوجه الشبه مع العراق وسورية أيضا، نشرت عناصر تنظيم داعش في ليبيا مقاطع فيديو تحت راية "ولاية طرابلس" التابعة لما يسمى تنظيم داعش، التي تضم شمال غرب ليبيا، بهدف دعوة الأفراد إلى الانضمام إلى صفوف التنظيم. وفي أواخر كانون الثاني (يناير)، دعا أبو عمر الطوارقي زملاءه الطوارق إلى الانضمام إلى التنظيم وتقديم "البيعة" إلى أبو بكر البغدادي. وفي أواخر نيسان (أبريل)، قال أبو محمد الأنصاري: "تعالوا إلى ليبيا. قلوبنا ومنازلنا مفتوحة لكم". وفي أوائل حزيران (يونيو)، حث أبو دجانة السوداني المجندين المحتملين على الهجرة إلى "داعش" في ليبيا. وخلال الشهر الماضي، كرر أبو حمزة المصري هذه الدعوات، طالبا من علماء القانون تحديدا القدوم إلى ليبيا لمساعدة التنظيم على تطبيق الشريعة.

تعويض الفشل

بفضل سيطرته على سرت، اكتسب تنظيم داعش في ليبيا قاعدة أكثر ثباتا من محاولاته الفاشلة في درنة، وأنشأ عاصمته الأولى خارج سورية والعراق. يبقى أن نرى إذا كان ذلك سيؤدي إلى سيطرة التنظيم على مزيد من الأراضي، ولا سيما أن العداوات ومناطق السيطرة كثيرة ومتشابكة بين عديد من الفصائل في ليبيا. ولكن تنظيم داعش في ليبيا سيكتسب قوة هائلة إذا تمكن من ربط أراضيه في منطقة سرت بمنطقة الجفارة وسط البلاد، علما بأن الأخيرة تتضمن حقل المبروك النفطي ومدينة ودان، التي تشكل خط إمداد أساسيا لقوات "فجر ليبيا" بين منطقتي مصراتة وسبها، وتقاطع طرق محوري لكثير من الشبكات الإجرامية التي يأمل تنظيم داعش الليبي في السيطرة عليها. ويحاول التنظيم أيضا دمج مزيد من القبائل التي كانت موالية للقذافي في منطقة فزان جنوبا.
وفي الوقت نفسه، دفع التماسك في صفوف تنظيم داعش بتنظيم "أنصار الشريعة" في ليبيا" - الذي ما زال يعمل بشكل مستقل في بنغازي، وبقدر أقل في مدينتي أجدابيا ودرنة - إلى التركيز بصورة أكثر على توفير الخدمات، وتطبيق العدالة، وفرض الأمن. وقد يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب ضروس بين التنظيمين الجهاديين المتنافسين في نهاية المطاف. ومهما كان الحال، من المهم أن يدرك صناع السياسة في الولايات المتحدة وغيرهم من الأطراف أنه على الرغم من خسارة تنظيم داعش في ليبيا بالفعل في درنة، إلا أنه برز بشكل أقوى في سرت.

الأكثر قراءة