رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


اختلاف النهج.. العرب والآسيويون

منذ أن دخل النفوذ الغربي إلى بلاد العرب أصبح التدخل الخارجي جزءا من المعادلة المجتمعية - الاستعمار والتأثير والعلاقة والتدخلات والقوى الناعمة أثرت في الدول العربية ولها دور حاسم في حياة العرب إلى الآن وفي المستقبل المنظور. الغرب تدخل أيضا في أجزاء أخرى من العالم وأثر وتأثر ولكن ما يهمني هنا المقارنة بتجربة الدول الآسيوية لأن نجاحها التنموي لافت في ظل تقصير الدول العربية. من زاوية عربية هناك إسقاط عربي سطحي على التجربة الآسيوية مع الاختلاف الجوهري بين دول شرق آسيا الأكثر نجاحا. على الرغم من نجاح هذه الدول خاصة اليابان والصين وكوريا إلا أن هناك اختلافات مهمة بين هذه الدول في تعاملها مع الدول الغربية. تقدم هذه الدول الرئيسة ثلاثة نماذج مختلفة من ناحية، كما أن تجربة الدول العربية مختلفة عن التجربة الآسيوية. لعل هذا الاختلاف يرشدنا إلى أن السبب ليس التدخل الغربي ولكن طريقة الدول العربية في إدارة شؤونها بما في ذلك العلاقة مع الأجنبي المؤثر.
النموذج الأول يأتي من اليابان التي ترددت في الانفتاح التجاري مع أمريكا كقوة جديدة في المحيط الهادي إلى أن أجبرها الكابتن بيري في عام 1853 على فتح التجارة. هذا الموقف أجبر اليابانيين على مراجعة داخلية سريعة للتحديث خوفا على خسارة السيادة ، سرعان ما تفاعلت عملية التحديث إلى أن وصلت إلى ثورة "عهد مييجي" في 1868 التي أخذتها إلى آفاق جديدة في التطوير الذاتي إلى أن أصبحت دولة استعمارية قدوة بالدول الغربية. اختارت اليابان الانفتاح المحسوب والتحديث المتواصل إلى أن حققت أهدافها الوطنية.
النموذج الثاني يتمثل في تجربة كوريا الجنوبية التي لظروف موضوعية انتهت تحت مظلة الحماية الأمريكية على أثر الحرب بين الكوريتين في 1953. التدخل والعلاقة في هذا النموذج كان مباشرا وأدى إلى تكوين رأسمالي تدرجي وتراكمي بسبب إنتاجية الكوري وقدرته على ارتقاء سلم القدرات التنظيمية والمعرفة إلى أن وصل دخل الفرد إلى مستويات الدول الغربية وحدث تحول ديمقراطي بعد تقوية المؤسسات الوطنية. استفادت المؤسسات الصغيرة من وجود الجيش الأمريكي ولكن العامل الحاسم هو رغبة الكوريين في التطوير. أصبحت الشركات الكورية تنافس الغربية. لعل هذا النموذج أيضا كان في تايوان وسنغافورة على الرغم من الاختلافات التفصيلية.
النموذج الثالث الذي أخذ بانغلاق تام تمثل في "طرد" الدول الاستعمارية الغربية واليابان. اختارت الصين الانغلاق والاعتماد على النفس إلا بالقدر اليسير من التعاون مع الاتحاد السوفياتي في حينه. في لحظة تاريخية رأت النخبة الصينية أن الاعتزاز بالنفس واستقلال الصين العريقة ومهد الحضارة المتواصلة القديمة كافية للشحن المعنوي والبناء الداخلي إلى حد التخلص من تبعات العار الاستعماري. استمر الانغلاق لـ 20 عاما حتى 1979 حينما حان الوقت لنموذج أكثر انفتاحا. الانغلاق كان مكلفا بكل ما في الكلمة من معنى ولكن الصبر والكفاح أثمر في الأخير. قاد انفتاح الصين على اقتصاديات السوق زعيم شيوعي وعندما سئل عن التغيير في النظام كان رده أنه لا يهمني لون القطة سوداء أو بيضاء إذا هي تستطيع صيد الفأر.
الجامع الرئيس بين التجارب الآسيوية هو الناحيتان العلمية والعملية. تقدم لنا الدول الرئيسة ثلاثة نماذج مختلفة كلها انتهت بنجاح، بينما الدول العربية لم تحسم ترتيب البيت الداخلي نحو الخيارات التنموية أو العلاقات مع الآخر. حسم النخب لهذه الخيارات يحدد نموذج العلاقة مع الدول الغربية أو غيرها. انتهت العلاقة في منطقة رمادية لا تخدم أحدا، بل لعل حتى الدول الغربية بدأت بالتململ.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي