رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المجالس البلدية .. من إدارة البلديات إلى إدارة المدن

المحليات (المدن) مكان الحراك الاجتماعي والنشاط الاقتصادي، ولذا هي جذور التنمية الوطنية. وأهمية المحليات ودورها في التنمية أكبر مما يتصوره أصحاب النهج المركزي. لقد مضى زمن طويل سيطر فيه أسلوب المركزية الشديد والتنظيمات البيروقراطية على عملية صنع القرار الحكومي التنموي، ما أوجد ثقافة مجتمعية تتصف بالاتكالية والاعتماد الكبير على الأجهزة الحكومية المركزية في صنع جميع القرارات التي تخص المجتمعات المحلية. لقد أفرزت تلك الثقافة مفهوما أبويا لدور الحكومة؛ في أنها تمنح والناس تأخذ، ليتحولوا إلى متفرجين ناقدين وسلبيين. عدم مشاركة السكان المحليين في عملية صنع القرارات المحلية التي تهمهم وتشكل حاضرهم ومستقبلهم يعوق جهود التنمية، ويقلل من الاستفادة من الإمكانات البشرية والمادية. وربما كانت العوائد البترولية الدافع الرئيس وراء تبني نهج المركزية الشديدة، إضافة إلى ضعف القدرات المحلية في القيام بمتطلبات التنمية في مرحلة تنموية سابقة، إلا أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والسكانية والتقنية الكبيرة والمتسارعة تحتم التخفيف من المركزية. فقد غدا سكان المحليات أكثر تعليما ودراية ووعيا، كما أن نمط الاستهلاك اختلف، وارتفع سقف التوقعات، ولم يعد كافيا توفير الخدمات العامة، وإنما لا بد من معالجة القضايا المحلية مثل العطالة والفقر والعنوسة وغيرها. ولأن طبيعة المشكلات المحلية معقدة ومتشابكة، فهي تتطلب حلولا جماعية، ونظرة مشتركة، وقناعة بتطبيقها من جميع سكان المدينة. وهنا يبرز تساؤل على درجة كبيرة من الأهمية، وهو: كيف يمكن الوصول إلى رؤية مشتركة لسكان المدن، وتحفيزهم جماعيا نحو السعي إلى تحقيق أهداف متفق عليها؟ وتتضمن الإجابة عن التساؤل ضرورة التفريق بين القرار الخاص والقرار العام. فالقرار الخاص سواء كان استثماريا أم استهلاكيا يعتمد على الاختيار الشخصي بتقدير المنفعة والتكلفة المترتبة على الشخص نفسه في إطار الإمكانات المتاحة وما يرغب في الحصول عليه. ومن السهل فهم القرار الخاص؛ إذ إنه مرتبط بالمنفعة الفردية، لكن من الصعب إدراك مفهوم القرار العام الأكثر تعقيدا؛ حيث تتنوع وتتباين فيه الأذواق والقيم والرغبات والتفضيلات، ويتطلب البحث عن صيغ توافقية للوصول إلى قرارات ترضي جميع الأطراف المتداخلين في عملية صنع القرار. إن موضوع المصلحة العامة أمر لا يمكن حسمه بدقة؛ إذ ليس هناك تعريف واضح ودقيق لها، فهي تختلف بعدد الآراء المطروحة في المجتمع. من هنا نشأت فكرة المجالس النيابية لتكون مكان النقاش العام، والوصول إلى تعريف للمصلحة العامة، وما ينبغي عمله جماعيا. ومعنى المجالس النيابية؛ أي انتخاب أفراد ينوبون عن المجتمع ليكونوا ممثلين لهم في عملية صنع القرار العام؛ إذ إنه يتعذر جمع سكان المدينة حتى لو كان عددهم قليلا في مكان ووقت واحد، وحتى لو على افتراض تم جمعهم في مكان ووقت واحد فسيكون من الصعب تنظيم النقاش الجماعي، وستسود الفوضى، وينفض الاجتماع من دون الوصول إلى قرار. والأصل في المجالس النيابية أنها لمناقشة التوجهات العامة والموضوعات المختلف عليها، التي تتطلب التفاوض بين أصحاب الأطروحات المختلفة، وتدور حول القضايا الحساسة والمهمة، بينما تترك الموضوعات الفنية المتفق عليها للجهات التنفيذية، ولذا كان من العيب أن تلتهي المجالس البلدية بمناقشة الموضوعات الفنية التنفيذية على حساب السياسات الاجتماعية والاقتصادية محل الاختلاف. وهنا يبرز تساؤل آخر مهم، وهو: من يدير المدن السعودية؟ وبشكل أدق: كيف تدار المجتمعات المحلية؟ ومن المسؤول عن معالجة المشكلات الحاضرة؟ ومن يرسم مستقبل المدن ويحدد رؤيتها الاستراتيجية؟ هذه تساؤلات مهمة؛ لأنها تساعد على تحديد أدوار المجالس البلدية وما يفترض أن تقوم به. المجالس البلدية ليست ترفا سياسيا أو تقليدا لتوجه عالمي، وإنما وسيلة ضرورية لإدارة المجتمعات المحلية ورعاية مصالح السكان المحليين في نطاق مكاني محدد قانونيا. كما أن المجالس البلدية آلية للضبط الاجتماعي، وتضييق نطاق الإشراف، وتحديد المسؤوليات على مستوى المحليات (المدن والمحافظات)، بحيث تتمكن الجهات المركزية من إحكام السيطرة عليها على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وليكون أعضاء المجلس البلدي مسؤولين ومحاسبين عما يجري داخل المدينة من قبل السكان المحليين ومن قبل السلطات المركزية. وبوجود هرمية مكانية لتسلسل السلطة، يكون هناك تنسيق وانضباط للعملية التنموية، بحيث يقوم كل مستوى إداري بما يجب عليه، وتكون المجالس البلدية نواة هذه المنظومة والمستوى الأول. وفي هذا السياق لا بد من التفكير بشكل شمولي على المستوى الوطني، وصياغة نظام للإدارة المحلية يتم من خلاله تحديد مسؤوليات وأدوار كل مستوى إداري، وتوحيد المرجعية النظامية لكل مستوى. الوضع الراهن للمجالس البلدية تشوبه الضبابية، وأدوارها وصلاحياتها قاصرة عن إدارة المدن، فبينما مسماها يعطي انطباعا بأنها لإدارة المجتمع المحلي ومعالجة قضاياه، إلا أن واقعها النظامي وممارسة أعضائها أقل من طموح المواطنين بكثير. ولذا نجد أن هناك تراجعا في عدد أصوات الناخبين مقارنة بالدورة الأولى. هذا الإحباط الذي أصاب الكثيرين بعد تجربة دورتين، يجعلهم يطرحون تساؤلا من باب الاستغراب: لماذا المجالس البلدية؟ إذ إن سكان المدن أصبحوا يستشعرون أهمية التفكير الجمعي والرؤية المشتركة والبحث عن سبل لمعالجة المشكلات التي أصبحت أكثر تعقيدا، ولا يمكن للأجهزة المركزية مهما أوتيت من إمكانات أن تحتوي وتتفهم المشكلات المحلية. لقد بات من الضروري التحول بالمجالس البلدية من إدارة البلديات إلى إدارة المدن. هذا التحول يمكن استلهامه من فلسفة الملك الوالد عبدالعزيز-يرحمه الله- في الحكم، ونهجه اللامركزي، فقد كان منطلقه "يرى الحاضر ما لا يراه الغائب"، وأن" أهل مكة أدرى بشعابها".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي