السياسة وسباق الخيل

لفتت نظري مقولة لأسفندر مشاعي رئيس مساعدي أحمدي نجاد وأقرب مستشاريه، حيث شبَّه السباق بين الدول بسباق الخيل. فكل الدول في السباق شاءت أم أبت، ما يبقى فقط اختيار الخيل المناسبة للسباق، والاستعداد اللوجستي والمعنوي، وإعداد الاستراتيجية؛ لأن السباق ليس شوطا واحدا قصيرا، بل ماراثوني طويل، يتطلب ماديا مزيجا إبداعيا بين التكتيك والاستراتيجية وتوزيع الطاقة، ومعنويا يتطلب رغبة عميقة في الانتصار، وثقة بالنفس، وقراءة حقيقية للمعطيات، وتوزيعا رتيبا محكما بين المعنوي والمادي. لعل أهم ما ينطوي على هذا التشبيه العميق لحال الدول في هذا العصر، خاصة بعد تراجع وتغير ملحوظ في نفوذ الدول المسيطرة، بدا واضحا أن شروط السباق قد حلت. تلمس نقاط التحول التاريخي دائما صعب وأسهل بعد حدوث التغير، لعل إفرازات الربيع العربي وما تبين من فشل الدولة العربية الحديثة أصبح واضحا ويصعب إخفاؤه. من كان يتخفى أو يؤجل المشاركة في السباق لم يعد التعذر والبحث عن بديل مقبولا.
ما يفرق بين المتسابقين اعتياديا هو درجة التأهيل والاستعداد، وذلك بمزيج خاص – لا بد أن يكون خاصا كي يكون أصيلا – لا يمكن التقليد؛ لأن لكل خيل إسطبلا وحالة نفسية وأرضية مختلفة. لكل خيل وسباق مزيجه الخاص بين المادي والمعنوي - لكل بلد طريقه الخاص في المشروع التنموي. ولكن محطة السباق الأخيرة واحدة، تتحدد فقط بالمقارنة بالآخرين. أحد أبعاد هذا التشبيه أنه ليس تصادميا بالمعنى المباشر، ولكنه ترتيب للمنتصرين، يهدم تدريجيا المهزومين. هزيمة واحدة أو اثنتان مقبولة، ولكن لما تتكرر الهزائم تبدأ المصداقية بالتآكل. أحد معايير الاستعداد الرشاقة والمرونة والشجاعة ودقة الملاحظة واحترام الخصم من دون خوف منه وقابلية للتعلم من الأخطاء - نحن نبدي رغبة في التعلم من الآخرين أكثر من رغبتنا في التعلم من تجاربنا، ولذلك تراكم المعرفة لدينا ضعيف. لا يمكن أن نشارك في السباق بمن كان متخاذلا وضعيف الهمة المعنوية والتعليمية والمراس. لا يمكن المشاركة بالمزوِّر والمتملق والممثل، فكما شغف العرب بأصل الخيل، لا بد من المكاشفة الفاضحة عمن يمثلهم في السباق على جميع المستويات. المطالبة بالكفاءة لا تعرف الحدود ولا المراحل ولا الدور مهما بدا غير مباشر وصغيرا. في السباق الحقيقي هناك دور للكل، ومطالبة من الجميع.
في الماضي، كانت تأتي مشاركتنا في السباق شكلية، ولا تتعدى بالكثير تجهيز الإسطبل، ولكن من دون خيل. فقد استطعنا إقناع أنفسنا بأننا في البداية، وعلينا التعلم من الآخرين، وأن البعثات وسيلة، وأن التوسع في التعليم الجامعي خطوة مهمة، وأن التعليم الفني قرار استراتيجي، ولكن المخرجات انتهت تعمل في الإسطبل، ولكن لا تريد المشاركة في السباق، فهي في المفهوم لدينا في السباق، ولكنها ليست في السباق، وهذا المفهوم الرمادي أصبح ملازما في دور الكل بدرجات لوم مختلفة ومطاطية، فالكل يدعي أنه في السباق، ولكنه بريء من استحقاق المسؤولية. فهو في الإسطبل، وعينه ليست على السباق، بل على ما قد يستفيده من الإسطبل - الانتساب إلى الإسطبل أصبح بديلا عن السباق ومسؤولية الاستعداد.
معنويا؛ عبر مشاعي عن الحالة الإيرانية بالرغبة في التقدم إلى حد القول إنه من الممكن النظر في بعض جوانب "الدين الشيعي" - كلماته وليست كلماتي، وتحويله ليكون أكثر ملاءمة مع الأعراف الفارسية ومتطلبات العصرنة على حد تعريفه، ما آثار زوبعة في بعض الدوائر الإيرانية حينه. القوة في الطرح دليل على الرغبة في التغيير مهما اختلفنا في المقومات والنهج أو ما يراه آخرون في إسطبل آخر. أحد معوقات الاشتراك الجدي في السباق هو الحديث عن السباقات الماضية، واستجداء التاريخ، وما إلى ذلك من استهلاك الطاقة المعنوية والانشغال السطحي. قبل الدخول في السباق لا بد من فرز المشاركين لدينا من أفراد إلى الشركات خاصة الدوائر الحكومية من خلال المنافسة الصادقة والشفافة. قبول الفرز تلقائيا يقطع نصف المسافة للاستعداد.
نحن نعيش على التكتيك، ونعتقد أننا في السباق، وهذا أقرب إلى الوهم. المشاركة في السباق الحقيقي تتطلب قدرا من القوة على النفس، وتصنيفا جديدا للمشاركين في المقدمة، وإرغاما اختياريا لمن يرفض التعاون - يتم الإرغام الاختياري من خلال إعادة الترتيب الداخلي بوسائل إدارية متعددة وهندسة لنظام الحوافز إلى حد تغيير أنماط التصرفات. من دون ذلك لن يصدق أحد أننا في السباق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي