رواتب المتقاعدين
تقابل أم العيال زوجها المتقاعد بتلك الأسطوانة الشهرية: ابن لأولادك بيتا. حالة لم يكن أحد يعرفها في مجتمعنا. أصبح الأب مسؤولا عن أبنائه بشكل غير مسبوق.
مسؤولية التربية، والتعليم والمدارس الخاصة، ثم الجامعات الخاصة التي بدأت تغزو محافظنا. ثم تجيء مسؤولية الأب عن شراء السيارات والزواج. لن تتوقف الطلبات عند هذا الحد، فشراء الشقة أو توفير منزل يجمع الأبناء أصبح الموضة الرائجة اليوم.
يأتي مع هذه المسؤوليات التوالد الذي يدفع الأسرة نحو الانفجار. تتوالد الأسرة بشكل يجعل كل جهات الخدمات عاجزة عن توفير الطرق والمدارس والمساكن. أمام كل هذه الضغوط، يقف المتقاعد الذي أنجب آخر أطفاله وهو في سن الخمسين عاجزا خائفا يترقب المتطلبات الجديدة لابنه السادس أو السابع.
إذا، فمتطلبات المتقاعد جديرة أن تستوقف كل المهتمين، لكنها تبدو غير ذات أهمية للجهات المسؤولة عن مستقبل وحياة هذه الفئة التي تعاني فعلا ضغوطا لا تقارن بغيرها من الفئات، ضغوطا نفسية وصحية واقتصادية، تجتمع وتتفاقم مع ارتفاع سن المتقاعد.
الإشكالية التي نعيشها اليوم هي أن الراتب يتوقف عند حد معين بالنسبة للمتقاعد، والالتزامات ترتفع بنسبة تتجاوز 10 في المائة سنويا. على أن العسكريين، على سبيل المثال، يعانون أكثر من غيرهم، فمع التقاعد يخسر بعض العسكريين أكثر من نصف رواتبهم التي بنوا التزاماتهم عليها، ليأتي التقاعد كمفاجأة تقتل أحلامهم وتشل خططهم.
هذا عن الرواتب، أما الخدمات الصحية، فتردي صحة المتقاعد بحكم كبر السن تجعله زبونا مستديما للمنشآت الصحية، لكن البدائل غير متوافرة. كل شيء لا بد أن يمر خلال اللجان وغرف الطوارئ والترجي والواسطات التي ازدهرت أثناء وجوده على رأس العمل، ثم اختفت بعده.
كيف يتوقع الواحد منا أن يرى متقاعدينا مثل متقاعدي أوروبا الذين يجوبون العالم وابتساماتهم تشع في كل مدينة ترسو فيها سفنهم الفخمة؟
لا شيء يعيد للمتقاعد بسمته ويسهل حياته، ويريحه أقل من زيادة مقننة في راتبه، وحفاظ على حد أدنى لأجره يكون مكافئا لالتزاماته، وربط لكل المتقاعدين بنظام تأمين صحي عالمي يتولى كل احتياجاتهم ويبعدهم عن غرف الطوارئ والترجي والدفع في مستوصفات ومراكز صحية لا تقدم له سوى مزيد من المعاناة والمرض.