العنف يتضاعف
شهدت المحاكم زيادة مطردة في قضايا العنف الأسري المسجلة خلال العام الحالي. هذه الزيادة بلغت 170 في المائة مقارنة بالعام الماضي. تركزت أكثر القضايا في منطقتي مكة المكرمة والرياض على التوالي بنسبة تجاوزت 50 في المائة من القضايا المنظورة في المحاكم.
ليس لدي معلومة واضحة عن نسبة القضايا المبلغ عنها مقارنة بالحوادث الفعلية، لكنني أتوقع أنها ستكون منخفضة بسبب محافظة المجتمع وتقارب الأسر بالشكل الذي يجعل الإبلاغ عن مثل هذه الممارسات مرفوضا لأسباب كثيرة.
أهم أسباب رفض الإبلاغ عن التجاوزات وجرائم العنف، هو الخوف على سمعة الأسرة وأبنائها. إن القسوة التي يعامل بها المجتمع مختلف مكوناته والتدقيق الشديد على كل ما يحدث داخل البيوت يجعل المرء غير قادر على أن يتعامل مع المخالفات والتجاوزات والجرائم بالشكل العقلاني والمنطقي.
يحكم المجتمع على مكوناته التي لا علاقة لها بالجريمة بما اقترفه أي عضو في أسرة الجاني، سواء الصغيرة أو الكبيرة.
يدفع بهذه القضايا للمقدمة انتشار حب الاستطلاع والتدخل السافر في شؤون الآخرين، وهو عادة لم تتمكن الأسرة ولا المدرسة ولا المسجد من أن تلغيها، بل إن بعض هذه المكونات تدفع باتجاه أن يزر المرء وزر كل أهله وأقاربه، مخالفين بذلك قوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى".
ثم يأتي عنصر محدودية الوسائل فيمنع كثيرين من الإبلاغ عن هذه الجرائم. أخص بالذكر هنا قضايا العنف ضد الأطفال بالدرجة الأولى. إن الأرقام المنخفضة التي ذكرتها إحصائية وزارة العدل الصادرة في شهر شعبان الماضي تدل بكل وضوح على أن هناك إشكالية في إيصال معاناة الأطفال من العنف. يستدعي مثل هذا الأمر معالجة سريعة وواضحة، فكيف لا تتجاوز قضايا العنف ضد الأطفال ثلاث حالات من 1516 حالة عنف مسجلة.
أما قضايا العنف ضد المرأة، فقد تكون هي الأخرى مؤشرا لتغير السلوك والسيطرة القادمة للعنصر النسائي، وقد نضطر إلى إضافة عنصر جديد للإحصائية هو العنف ضد الرجل، وهو ما يطالب به كثيرون.
أخلص من كلامي هذا إلى أن التعامل مع قضايا العنف لا بد أن يكون مؤسسيا تسهم فيه "العدل" و"الشؤون الاجتماعية" ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث يتوافر لكل من يتأذون الوسائل السهلة والإبداعية للإبلاغ والعلاج والإصلاح.