«عصر أدالين» .. سِرّ شباب الحاضر يكشفه الماضي

«عصر أدالين» .. سِرّ شباب الحاضر يكشفه الماضي
«عصر أدالين» .. سِرّ شباب الحاضر يكشفه الماضي

"إذا رأيتِ صورة واحدة فقد رأيتها جميعا". عبارة تتفوّه بها أدالين بثقة وهي تصف لابنتها حالتها الشبابية اللا متناهية، تلك الحالة التي جعلت الأم تستمر شابة بوجه ثابت لا يتغير، إذ يتوقف عندها الزمن لترقب ابنتها تطعن في السن وتقاوم أمراض الشيخوخة بيأس وانعدام حيلة.

يزخر فيلم "عصر أدالين" بأحداث تركز على انسيابية الزمن وتعطله لدى الشابة أدالين في عمر التاسعة والعشرين إثر حادثة سير تمازجت بأحداث فلكية غريبة، لتضطر إثر ذلك الموقف إلى الاستمرار في مراوحة المكان وتغيير اسمها ونظام حياتها للتنصل من مراقبة الآخرين لها وتطفلهم وملاحقتها لاكتشاف سرها والرغبة في إجراء البحوث على حالتها الجسدية الزمانية الغريبة، ما يعدم لديها فرص التعمق في العلاقات والاستمرار في الهرب منها بألم مفرط.

الفيلم من إخراج الأمريكي لي كريجر، لأبريل عام 2015، حمل طابعاً درامياً عاطفياً بمسحة من الواقعية الساحرة، مع استخدام لتقنية السرد الاستذكاري لتجسيد قدرة أدالين على الخلود والاحتفاظ بالشباب والتنصل من تغضن الملامح.

سرقت الشابة الأمريكية بلايك ليفلي دور أدالين البطولي، وهي قد عرفت بأدوار عصرية سطحية كمسلسل "فتاة النميمة" الذي تسبب لها في النجومية، اختارت دوراً يخرجها من عباءة الشابة المرفّهة ذات المخططات المخملية، وقدرتها على تقلّد دور امرأة ذات ملامح أرستقراطية، أثقلت روحها سنواتها التي لم تظهر على ملامحها، إنما من التواءات روحها كثقل ابتسامتها وتكلّفها المفرط في الرسمية لزمن لم يعد يرتبط بالحاضر بأسلوبه. برع في الآن ذاته الممثل هاريسون فورد في الابتعاد عن بوتقة أفلام الإثارة بتقلده دور الأب الذي عشق ذات المرأة التي افتتن بها ابنه، ومحاولته اكتشاف سرها بهوس وافتتان نجح في تجسيدها بأريحية ليبرز تورّط أدالين بمباغتة الماضي بما اقترفت وعلاقاتها السابقة.

#2#

يخلو الفيلم الذي يركز محوره على العاطفة من أي ملامح عاطفية أو تعبير فعلي عن الأحاسيس، فالممثلة وإن أتقنت دورها ظهرت باردة فاترة، لا يظهر تورطها العاطفي إلا من خلال ابتسامة ارتياح هادئة، وكأن أدالين وصلت إلى مرحلة قنوط عاطفي لتكرار ظهور الحب في حياتها ليبدو كأنه أمر تلقائي يشعرها بحالة انتشاء آنية، وإن لم يدل ذلك على تعمقها في ثناياه.

وتتجلى حالة سرعة الوقوع في الحب بعد تصميمها على البوح والاستمرار أن الحب لديها مجرد استعداد نفسي له. كما يظهر من جهة أخرى محاولة المخرج كريجر تلطيف الأحداث بالابتعاد عن تشخيص حالات الفناء ورثاء الآخرين من حولها، والاكتفاء بتحويل الابنة التي برعت في أداء دورها المبدعة إيلن برستن التي تضطر إلى تقلد دور الجدة أمام الآخرين، ليظهر في موقف حزين انهيار الابنة الطاعنة في السن بارتياح عند بوح أدالين بقصتها أمام محبوبها إليز في أول بوح من نوعه. اكتفى المخرج لي كريجر في مواقف الحزن بإظهار تكرار عملية اقتناء أدالين كلبا من ذات النوع والاهتمام به بنفس الطريقة والرثاء عليه بعد مماته في كل مرة، ليتجدد البحث عن كلب آخر بنفس الملامح ليعيد لها الشعور بالقدرة على الاعتياد على شخص واحد، بخداع ذاتي مجحف.

فلسفة انسيابية الزمن ومدى تأثيره في الجسد يظهر مقاربة بالفيلم الشهير "الحالة الغريبة لبنيامين باتون" لعام 2008 الذي أبدع من خلاله اللامع براد بيت في دور شخص يتناقص عمره فيبدأ طاعنا ويتدرج في الصغر، وإن كان من الإجحاف مقارنة العملين، لقدرة العمل القديم على التأثير، إلا أن معالجة قضية الزمن والفناء تستمر في اجتياح عديد من الأعمال السينمائية وتعالجها بأسلوب مبهر.

كما برع المخرج لي في إبراز "النوستالجيا" أو الحنين إلى الماضي، واختيارها كثيمة أساسية للفيلم تبرز من خلال الاستمرار في الوقوف على الأطلال والعيش النفسي في تلك المراحل الزمنية الغابرة، وتكرار ظهور الصور القديمة التي تمعن في إظهار وجود أدالين اليافع فيها جميعاً وانعدام التغيير فيها، ما يتسبب في إرباكها وتهربها من أي حالة تصوير. تجسيد الزمن يتجلى في فترات متعاقبة ما بين الستينات والسبعينات والحاضر، والقدرة على تعاقب الأحداث ما بين الماضي والحاضر بحرفية تجسد المحيط بحقبته الزمنية المتفاوتة من خلال الديكورات والموسيقى والأزياء وطريقة تصفيف الشعر.

عصر أدالين هو فيلم يرفل في الماضي وكأنه كشف حساب لكل ما اقترفت البطلة خلال 107 أعوام حياتها.

لا تنجح محاولات التعتيم وقطع العلاقات الإنسانية في إخفاء ذلك الثقل العمري. كمارسيل براوست وبحثه عن الزمن الضائع وصراعه مع الماضي والغوص فيه، تتأمل أدالين ماضيها وتحاول الهرب من حاضرها، وإن كان من الممكن لشخصية أدالين إظهار عاطفة أعمق تمد المشاهدين بتعاطف وقدرة على الارتباط بها والتأثر لحالتها المتأزمة ومدلولاتها الفلسفية.

الأكثر قراءة