استراتيجية نحو الملف الإيراني
اختطف الأنظار الاتفاق الذري بين إيران والدول الخمس «5 + 1»، ولكن الأهم هو تغيير السياسة الغربية نحو إيران وإرهاصات ذلك على حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة. هناك توجس حول تداعيات علاقة جديدة بين الدول الغربية وإيران، وهل هذا التحول سيرجعنا إلى نمط مشابه لما سبق الثورة في إيران، حيث هناك أكثر من حليف ولو على مسافات مختلفة، أو إلى نمط جديد تكون فيه إيران متفردة بعلاقة محورية مع أمريكا، أو أننا نشهد تحولا تاريخيا أشمل؛ حيث تستطيع الأمة الفارسية تأسيس دولة على درجة من الاستقلال عن القرار الغربي في عودة إلى التاريخ القديم. الأقرب أنها ستكون في حالة وسطية بينها، ولكنها أقرب إلى علاقة تفاهم مدروس مع الدول الغربية وخاصة أمريكا، متسلحة بأنظمة عربية تحت مظلتها في العراق ولبنان وعلى الأقل جيب في سورية واليمن وأفغانستان، ولكن هذه القراءة تعتمد على شرطين: الأول أن تحقق إيران اختراقا اقتصاديا مثل ما حققت سياسيا على الأرض، متمثلا في السيطرة على العراق ولبنان وإنجازات الملف الذري. والآخر: يعتمد على ما تقوم به الدول الأخرى المؤثرة في المنطقة مثل المملكة وتركيا.
الشرط الأول هادف بطبيعته، وتعريفه سهل نسبيا، حيث إنه يمكن قياسه ومعرفة توجهاته، بينما الشرط الآخر صعب التعريف والقياس لأسباب مركبة. في المدى القصير (ثلاث إلى أربع سنوات) ستشكل السياسة النفطية عنصرا مهما في سياسة إيران الاقتصادية، ولكنها في المدى المتوسط والبعيد ليست مهمة كثيرا. النجاح الاقتصادي العميق يتم دون اعتماد على اقتصاد ريعي. الشرط الآخر يتحدد بمدى تصرفات دول المنطقة أفرادا أو مجتمعين في مواجهة النزعة الإيرانية نحو التوسع والسيطرة. فلا يمكن لهذه الدول التعاون لأسباب معروفة، كما أن هذه الدول مختلفة في درجة الخطر الإيراني، ومختلفة أيضا في منظومات حكمها الداخلية وكفاءتها الاقتصادية، ما يجعل سياستها الخارجية مختلفة، وأخيرا في طبيعة علاقاتها مع الدول المؤثرة خاصة الغربية.
ما يهمنا هنا الحالة السعودية. أنطلق من ركائز وآفاق عدة للتعامل مع الحالة. هناك ثلاث ركائز مهمة: الأولى أن المملكة تنطلق من محيط إسلامي عربي، ولكنها تبقى منفتحة على التعاون مع الجميع، وقد رحَّب البيان السعودي الأول بالاتفاقية إذا حققت الأهداف، فالعلاقة مع إيران تبقى منفتحة، ولا يكون العداء هو الأصل. المملكة دولة معتدلة ومتوازنة، ولذلك تتحدد دائرة نفوذها في الإقليم. الركيزة الثانية أن العلاقة مع الدول الغربية ستبقى مهمة - تتغير ولكنها مهمة، ليس لأسباب خارجية فقط، ولكن لأسباب داخلية أيضا مرتبطة بالمرحلة التنموية وطبيعة ما تم إنجازه إلى حد الآن، وهو ليس قليلا مهما تصاعدت أصوات المتشائمين. الركيزة الثالثة أن النفط والاستفادة منه فرصة للاستثمار وليست مغنما. الفرق في التعريف يحدد التصرفات. تكوين إجماع حول هذه الركائز يساعد على البحث عن آفاق ومساحة للتقدم.
من المهم جدا أن نستمر في موقف مؤثر يحقق النجاح في سورية واليمن خاصة، فنجاح النفوذ العربي فيهما سيغير المعادلة الإقليمية، كما أن تعزيز رسالتنا للعالم ودعم رؤيتنا الاقتصادية المتنوعة من متطلبات المرحلة للتعامل مع المستقبل.
التفكير في استراتيجية جديدة أتى بسبب استحقاقات السياسة الخارجية، لكن منبع النجاح في ميدان السياسة الداخلية. المملكة دولة مؤثرة وأصيلة - ليست صنيعة استعمارية، ولديها جميع المقومات وأهمها الدينية، ما يؤهلها لاستمرار العطاء من خلال تجديد أصيل ومستحق. الهدف أن نجد معادلة أصيلة للتطور وليس التكيف، فلقد جربنا التكيف، ولكن حبله قصير.