سياسة أوباما الخارجية ومخاطر الرهان على مستقبل المنطقة
يمثل عقد اتفاق نووي مع إيران أكبر رهانات السياسة الخارجية لرئاسة باراك أوباما للولايات المتحدة وإنجازا قد يخلد اسمه، لكنه قد يحقق أيضا نتائج عكسية إذا استغلت طهران أي ثغرات أو صعدت التوترات في منطقة الشرق الأوسط.
ولا يحمل أي تحد آخر في السياسة الخارجية بصمة أوباما مثل الاتفاق النووي النهائي الذي تم التوصل إليه مع إيران الثلاثاء الماضي، كما يعتبر الاتفاق أخطر اختبار لسياسته القائمة على التحاور مع أعداء الولايات المتحدة لتفادي الاضطرار إلى مواجهتهم.
ونجحت هذه السياسة بالفعل في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا الشيوعية هذا الشهر لتنتهي بذلك أكثر من خمسة عقود من العداوة. لكن المكاسب والمخاطر أكبر بكثير بالنسبة إلى اتفاق إيران الذي يمنح أوباما أفضل أمل في إنقاذ الإرث المتداعي لسياسته في الشرق الأوسط.
ويتناقض دور أوباما في المفاوضات مع إيران الذي كان في بعض الأحيان على مستوى التفاصيل الفنية الدقيقة مع نهجه المتحفظ على نحو أكبر في مشكلات أخرى مثل الحرب الأهلية السورية والصراع الانفصالي في أوكرانيا.
وأقدم أوباما الذي وصل إلى السلطة عام 2009 ومد يده للزعماء الإيرانيين إذا "بسطوا أياديهم" على خطوة تاريخية، إذ أجرى اتصالا هاتفيا مع الرئيس الإيراني ثم تبادل الخطابات السرية مع الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.
ومع بدء المحادثات في فيينا كان أوباما على تواصل مع وزير خارجيته جون كيري بانتظام من واشنطن فاتصل به عن طريق الفيديو مرة على الأقل لتقديم "المشورة" لفريق التفاوض.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية "إنه عندما أبلغه مساعدوه في البيت الأبيض ليل يوم الإثنين بالانتهاء من الاتفاق أصر أوباما على الاتصال بكيري لسماع النبأ منه مباشرة".
وفي كلمة ألقاها في البيت الأبيض سعى أوباما إلى التشكيك في أي جهود لعرقلة الاتفاق عن طريق الإصرار على أن عدم التوصل إلى اتفاق سيعني "فرصة أكبر لمزيد من الحروب في الشرق الأوسط".
وأضاف أن "النهج الدبلوماسي هو الطريقة المثلى لجذب إيران بعيدا عن طريق العنف والأيديولوجية المتزمتة"، لكنه أقر بأن الأمر لن يكون سهلا.
غير أنه إذا صحت توقعات المنتقدين فإن التاريخ سيذكر أن أوباما هو الرئيس الذي لم يفعل سوى شراء الوقت قبل أن تصبح إيران دولة تملك سلاحا نوويا. وقد يفجر هذا سباقا إقليميا للتسلح. ويتفق معظم المحللين على أنه لن يتبين إن كان رهان أوباما خاسرا أم رابحا إلا بعد سنوات.
ويجب على أوباما الذي أثار فوزه بجائزة نوبل للسلام بعد تسعة أشهر فقط من توليه الرئاسة الجدل أن يتغلب على اتهامات مشرعين بأنه تخلى عن كثير من "الخطوط الحمراء" الأصلية التي وضعها وساوم على أخرى.
ورغم ثناء أوباما على الاتفاق النهائي وقوله "إنه ينزع فتيل الخطر النووي الإيراني" فإن المطالب الأمريكية الأولية التي أسقطت تضمنت تفكيكا أكبر للبنية النووية الإيرانية وتراجع طهران عن برنامج الصواريخ الباليستية.
وتثير بنود الاتفاق النهائي الشكوك بشأن السماح الكامل للمفتشين بدخول المواقع العسكرية الإيرانية "في أي وقت وأي مكان" كما ستسمح لإيران بإجراء الأبحاث والتطوير باستخدام أجهزة الطرد المركزي الأكثر فعالية التي تملكها. ويصر المسؤولون الأمريكيون على أن إيران قدمت تنازلات أيضا.
وقال آرون ديفيد ميلر وهو مفاوض سابق أمريكي لشؤون الشرق الأوسط في إدارات ديمقراطية وجمهورية "إن أوباما حصل على ما أراد: برنامج نووي أصغر وأبطأ يكون مقيدا ومراقبا بشكل أكبر، ولا ضربات إسرائيلية استباقية ولا حاجة لضربة أمريكية استباقية".
وأضاف "لكن إيران حصلت على ما هو أكثر"، في إشارة إلى أنها ستجني مليارات الدولارات بعد تخفيف العقوبات "لدعم لاعبين سيئين دون أن تتخلى عن البنية التحتية النووية الكبيرة التي قد تسمح لها بالتسلح النووي إذا اختارت هي ذلك".
والاتفاق هو أكبر خطوة باتجاه التقارب بين إيران والغرب منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وقد يشق طرقا جديدة لمعالجة جذور التوتر في المنطقة. فإيران الشيعية تلعب دورا كبيرا في الصراعات الطائفية بدءا من سورية ومرورا بالعراق ووصولا إلى اليمن.
ولا يزال هناك كثير من العمل أمام أوباما لترسيخ الاتفاق الذي يرفع العقوبات عن إيران مقابل فرض قيود على أنشطتها النووية التي يشتبه الغرب في أنها تهدف إلى صنع سلاح نووي. وتنفي إيران سعيها إلى امتلاك قنبلة.
وعلى أوباما الآن إقناع الكونجرس المتشكك بعدم تخريب الاتفاق فيما يطمئن حلفاءه مثل إسرائيل والسعودية اللتين تخشيان تنامي قوة إيران واتساع نفوذها في المنطقة.
وفي ظل إمكانية فوز مرشح جمهوري بالرئاسة الأمريكية عام 2016 يجب على أوباما أيضا ضمان ألا يلغي خليفته الاتفاق.
ويقول مساعدون في البيت الأبيض "إن مطالب المنتقدين بإبرام اتفاق أفضل غير واقعية". وقال أوباما الثلاثاء الماضي "إن التراجع عن مواصلة السعي إلى اتفاق كان سيبدو تصرفا غير مسؤول".
والتحدي الفوري أمام أوباما هو إزالة العقبات في الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون وسيكون أمامه 60 يوما لمراجعة الاتفاق مع إيران.
وقال دينيس روس مستشار أوباما السابق لشؤون الشرق الأوسط "يجب على الرئيس العمل بكد أكبر من أي وقت مضى لتفسير ما يعنيه الاتفاق بالفعل وكيف يغلق المسارات النووية وماذا سيحدث إذا غشت إيران".
ويخشى كثيرون أنه حتى إذا لم تكن هناك أنشطة علنية إيرانية لصنع قنبلة فإن الجمهورية الإسلامية ستظل دولة على أعتاب التسلح النووي ويمكنها المنافسة في السباق بمجرد أن تنتهي فترة القيود على أنشطتها لتخصيب اليورانيوم في غضون عشر سنوات. وسيدع هذا الإدارة الأمريكية المقبلة أمام خيار الدخول في حرب لإيقاف إيران.