طائرات بلا طيار .. طيران «أعمى» وتنظيمات إرهابية تتنقل بحرية
الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة على "داعش" في العراق وسورية لها أثر مدمر في قوات المتمردين. هذا إن نحن صدقنا أرقام البنتاجون المتواصلة عن العربات والمنشآت وتشكيلات القوات التي لحق بها الدمار أو الأضرار.
لكن الإحصاءات الرسمية لا معنى لها. ذلك لأن الطيارين الأمريكيين يحلقون مفتقرين إلى حاسة الإبصار. فهم إلى حد كبير لا يعرفون ماذا يضربون.. هذا إن كانت لديهم أصلا أدنى فكرة عما يضربونه.
فالملاحون الجويون الأمريكيون الذين يحلقون فوق العراق وسورية يعتمدون على طائرات بلا طيار يتحكمون فيها عن بعد لرصد أهداف. وهذا الاعتماد يزيد عما حدث في أي صراع دار في الآونة الأخيرة. وهذه إحدى العواقب المترتبة على سياسة الرئيس باراك أوباما التي تمنع القوات البرية الأمريكية من لعب أي دور قتالي مباشر.
فما المشكلة الكبرى؟ إنها تتمثل في أن الطائرات بلا طيار أدوات رصد مريعة. فهي رغم تطويرها على مدى عقود لا توفر سوى رؤية ضيقة غير واضحة المعالم لأرض المعركة. وفي كتابه الجديد عن تاريخ الطائرات العسكرية بلا طيار (سلسلة القتل: صعود قتلة التكنولوجيا المتطورة) يكتب آندرو كوكبرن "الصورة... تميل لأن تكون غائمة".
فالحرب التي تدار في معظمها من الجو لا تزال بحاجة إلى أناس على الأرض.. أناس لديهم مقلة عين تتيح لهم رؤية ثاقبة أكثر من أجهزة الاستشعار في الطائرات بلا طيار. وما دامت واشنطن ترفض نشر مراقبين لرصد تحركات مقاتلي "داعش" فلن تعرف على وجه اليقين إن كانت الضربات الجوية تصيب المطلوبين أم حتى إن كانت تصيب شيئا من الأساس.
ظاهريا.. بيانات وزارة الدفاع الرسمية تثير الإعجاب. ففيما بين الغارات الجوية الأولى في آب (أغسطس) 2014 و22 حزيران (يونيو) تم تنفيذ ما لا يقل عن 15 ألف ضربة قادتها الولايات المتحدة دمرت 7655 هدفا للمتشددين في العراق وسورية أو ألحقت بها أضرارا بينها 98 دبابة و325 عربة همفي أمريكية الصنع كانوا قد استولوا عليها و2045 مبنى و1859 موقعا قتاليا يفترض أن "داعش" تشغلها.
وقدر المسؤولون الأمريكيون أن الغارات الجوية تقتل نحو 1000 مقاتل من المتشددين شهريا.
قال البنتاجون "إن تدمير أهداف تابعة لداعش في سورية والعراق يحد أكثر من قدرة الجماعة الإرهابية على إشاعة الإرهاب وتنفيذ عمليات"، لكن هناك أسبابا مقنعة للشك في تقديرات الجيش حجم الأضرار وإحصاء الجثث وتأكيده أن الهجمات الجوية أضرت بشدة بالتنظيم. فمن خلال رؤيتها الضيقة من منظور ثابت أعلى الموقع مباشرة توفر الطائرات بلا طيار صاحبة الرؤية الرئيسية لمنطقة الحرب صورة غير دقيقة.
وهذا ينطبق أيضا على الطائرات بلا طيار التي تساعد على توجيه كثير من القنابل التي تسقطها الطائرات الحربية التي تحمل طيارين. فالإنسان الآلي يستخدم مؤشرا قويا يعمل بالليزر من أجل "تحديد" هدف ما. وهناك جهاز استشعار على القنبلة يوجه أجنحة صغيرة تجعل الذخيرة تتبع الليزر طيلة الرحلة إلى الأرض. لكن دقة القنبلة لا تزيد على دقة الطائرة بلا طيار. كما أن الطائرات بلا طيار يمكنها أيضا أن تطلق صواريخها وتسقط قنابلها على أهداف ترصدها بنفسها مهما كانت درجة عدم الدقة. وقتلت طائرة أمريكية بلا طيار أثناء ضربة استهدفت مجمعا للقاعدة في باكستان في كانون الثاني (يناير) رهينتين لا حول لهما ولا قوة: المتعاقد الأمريكي وارن واينستاين وعامل الإغاثة الإيطالي جوفاني لو بورتو. واعترف البيت الأبيض بالخطأ في نيسان (أبريل) في نوبة شفافية نادرة فيما يتعلق بهجمات الطائرات بلا طيار.
أما فوق العراق وسورية فإن الطائرات بلا طيار تظل في حالة انشغال دائبة بينما هي تقدم معلومات يكتنفها الشك على نحو خطير طيلة الحملة المعقدة. وقال الكولونيل جيمس كلاف قائد الجناح 432 عن الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة فوق العراق وسورية "نشارك في كل اشتباك تقريبا". ويتحكم الجناح 432 - الذي يقع مقره في قاعدة كريتش الجوية إلى الشمال من لاس فيجاس مباشرة - في معظم طائرات سلاح الجو بلا طيار من نوعي بريديتور وريبر والبالغ عددها نحو 300 طائرة.
ولتنفيذ عمليات في العراق وسورية تقوم فيما يبدو أطقم صغيرة بتوجيه الطائرات بلا طيار من قاعدة في الكويت. ويتحكم عاملون في كريتش في الطائرة التي تحركها الأجهزة الآلية وذلك عبر قمر صناعي وتتعلق أعينهم بصفوف من أجهزة المراقبة بالفيديو تعرض الصور غير واضحة المعالم التي تراها أجهزة الاستشعار في الطائرات بلا طيار. والقوات الأمريكية باعتمادها التام على هذه الطائرات في تحديد مواقع الأهداف وتوجيه القنابل تجازف بعدم إصابة أي شيء. بل إنها تجازف بما هو أسوأ.. الخلط بين المدنيين والمقاتلين وإمطار مدنيين بوابل من القنابل.
حدث هذا من قبل. فقد أودت ضربات الطائرات الأمريكية بلا طيار في باكستان منذ 2001 بحياة ما يصل إلى 3976 شخصا وفقا لمكتب الصحافة الاستقصائية في بريطانيا. وكان ما يصل إلى 965 من القتلى مدنيين أبرياء وفقا لإحصاء المكتب.
وتسببت أيضا عمليات الطائرات الأمريكية بلا طيار في الصومال واليمن في مقتل مئات من غير المحاربين في البلدين. وكما هو الحال في المعركة ضد تنظيم داعش فإن هاتين الحملتين جويتان وما من قوات أمريكية على الأرض للتحقق من الأهداف.
ويوظف البنتاجون آلاف المراقبين الجويين المدربين جيدا الذين تقتصر مهمتهم على تحديد أهداف للضربات الجوية بصورة مبدئية ثم المساعدة على توجيه الطائرات الحربية المهاجمة باللاسلكي. قال وليام تشاندلر الذي كان آنذاك ملاحا جويا من الفئة الأولى وهو مراقب جوي خدم في أفغانستان في 2010 "عليك أن تحسب حساب أشياء مختلفة كثيرة جدا لديك ولدى الطائرة".
وعن ذلك قال ستيف كواست الذي كان وقتها ضابطا برتبة بريجادير جنرال وهو قائد تشاندلر "هي المادة اللاصقة التي تربط بين كل هذه الأشياء". وتابع "ما يفعله المراقب الجوي هو التحدث إلى الطائرة والقائد البري لضمان سير عملياتنا بحرفية تتيح حل المشكلات دون إلحاق الأذى بالشعب الأفغاني".
وهناك أكثر من 3000 مستشار عسكري أمريكي في العراق بينهم المراقبون الجويون. لكن أوباما يحظر عليهم الاقتراب من خطوط الجبهة التي يمكنهم فيها أن يؤدوا مهمتهم على أفضل وجه مستعينين بأعينهم في فحص أرض المعركة.
وخلال زيارة لمقر قيادة عسكري في تامبا في ولاية فلوريدا في أيلول (سبتمبر) الماضي شدد أوباما على أن القوات الأمريكية في العراق "ليست منخرطة ولن تنخرط في مهمة قتالية." والرأي العام إزاء دور القوات الأمريكية في العراق منقسم في هذا الصدد. ففي تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي أبدى 52 في المائة من المشاركين في استطلاع لمؤسسة ريزون - روبي اعتراضهم على نشر قوات برية أمريكية لقتال "داعش". وبحلول شباط (فبراير) تغير هذا. فقد خلص استطلاع أجرته "سي.بي.إس" إلى أن 57 في المائة من الأمريكيين يؤيدون نشر قوات برية للاضطلاع بدور قتالي.
تقوم الطائرات بدون طيار بدلا من ذلك بالدور المفترض أن يؤديه الراصد البشري وهو ما قد تكون له عواقب فتاكة على المدنيين وكذلك أبعاد مثيرة للانزعاج فيما يخص استراتيجية واشنطن في العراق وسورية. فكيف للحكومة الأمريكية أن تعرف حقا إن كانت تكسب الحرب على "داعش" إن كانت لا تعرف على وجه اليقين من أو ماذا تقصف.
ويدرك البنتاجون المشكلة. وخلال جلسة لمجلس الشيوخ في أيار (مايو) الماضي قال اللفتنانت جنرال جون هسترمان قائد أسراب القوات الجوية في الشرق الأوسط "إن نشر مراقبين جويين على الأرض سيساعد".
وربما كان اعتراف هسترمان هو التصريح العسكري الذي يهون من الأمر، في وقت تنهمر فيه القنابل على أناس قرر موجهو الطائرات بلا طيار عن بعد، وهم يفحصون صور الفيديو غير الواضحة المعالم من أعلى، أنهم يمثلون مقاتلي العدو.