«كعك حافظة»

صباحكم خير وفرح .. وكل عام وأنتم للفرحة عنوان.
كان الاحتفال بالعيدين في العصور الإسلامية السالفة، على جانب كبير من الروعة والفخامة، خصوصا في العراق والحجاز والشام ومصر. تظهر دار الخلافة العباسية بأبهى زينة وأجمل حلة في أيام الأعياد، فتُفرش بالحرير ويقف الحجاب والحواشي في صفوف مهيبة، كل حسب مرتبته على الأبواب وفي الأروقة، وتزين الخيل بالذهب والفضة والخيالة بالسلاح حتى المراكب في نهر دجلة يتم تزيينها وإنارتها وتمتلئ بالمحتفلين بالعيد. ويسير موكب الخليفة المهيب يوم العيد إلى قصر الخلافة محاطا بالحراس الحاملين الشموع والمشاعل، ويمر الموكب بمجموعات من الخيالة واللاعبين الذين يقومون بحركات بهلوانية ورياضات مختلفة على ظهور الخيل، ويتجمهر الناس للاستمتاع بهذه الألعاب، وانتشرت فيه عادة لبس الملابس الجديدة وتبادل الزيارات العائلية ومد الولائم في بيوت الموسرين، وقيام الأطفال بزيارة الناس في بيوتهم حاملين الهدايا أو طالبين الهدايا. أما العصر الفاطمي في مصر فقد شهد التحول الأهم والمظاهر الباذخة التي استمددنا منها أغلب مظاهر أعيادنا حتى اليوم، بداية من العيديات وانتهاء بكعك العيد!
تبدأ الاحتفالات بإقامة مأدبة عشاء "ليلة العيد" التي يصل طولها 200 متر وعرضها أربعة أمتار!
وتستمر المآدب طوال أيام العيد، وكان الخليفة الفاطمي يتصدر "السماط الرسمي" الذي يقام في قاعة الذهب في القصر، وكان يوضع على السماط الملكي أوان من الذهب والفضة، يتوسطها 21 طبقاً ضخماً في كل واحد منها 21 خروفاً و350 من الدجاج ومثلها من الحمام إلى جانب كميات هائلة من الحلوى والكعك والشربات، ويستمر السماط إلى ما قبل صلاة الظهر، ولا يُرد عنه أحد من الناس حتى ينفد.أما أكثر ما ميز احتفال الفاطميين بالعيد، "العيدية" التي توزع من الدولة على جميع أفراد الشعب من الوزراء حتى عامة الشعب، كل حسب مكانته، وكانت تسمى بـ "الرسوم" أو "التوسعة"، وقد أخذت "العيدية" الشكل الرسمي في العصر المملوكي وأطلقوا عليها "الجامكية"، وكانت تقدم على شكل طبق من الكعك تتوسطه الدنانير الذهبية أو في أكياس مزركشة تحوي بداخلها عدداً من الدراهم والدنانير! و"كعك العيد" الذي نال عناية واهتمام الحكام الفاطميين حتى إنهم جعلوا له إدارة حكومية خاصة عُرِفَت بــ "دار الفطرة" كانت تهتم بتجهيز الكميات الهائلة من الكعك والحلوى، وبلغت ميزانية إعداده 16 ألف دينار ذهبي "وزن الواحدة 4.25 جرام"، ويبدأ العمل في إعداد هذه الكميات من شهر رجب حتى منتصف شهر رمضان المبارك! ورغم محاولات الأيوبيين القضاء على كل ما يمت بصلة للخلافة الفاطمية إلا أن كعك العيد ظل ظاهرة تستعصي على كل مسعى لوقفها، لدرجة أن بعض أمراء البيت الأيوبي احتفظوا بالطباخات اللاتي عملن في القصور الفاطمية لإنتاج كعك العيد، ومن أشهرهن طباخة تعمل كعكا شهيا عرف باسمها "كعك حافظة" وتنقش عليه عبارات مثل "تسلم يديكي يا حافظة" أو "بالشكر تدوم النعم"!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي