هل نتفوق على أنفسنا؟
تتغير النماذج الفكرية والتجارب العملية للوصول للتنمية، ولكن الثابت دائما اختلاف التحديات وتزايد الحاجة إلى التطوير لكي تحافظ على مكانك. الواضح أنه منذ تدمير بغداد على يد المغول قبل نحو ألف سنة، والأمة العربية لم تستطع التفوق على نفسها أو منافسة الآخرين. لم تصل إلى المعادلة المناسبة لإحداث نقلة نوعية تنمويا. هناك عدة مداخل لتحديد طبيعة التحدي والمخاطر والفرص. في العصر الحديث المدخل الأساس لنا لركوب سلم الحضارة المادية كان استخدام الوقود الأحفوري مع الثورة الصناعية، الذي جاء بعد تأسيس الدولة الحديثة المستقلة. هذا التحول كان مدخلا، ولكنه فرصة لنا وليس إنجازا. الفرصة بطبيعتها لا تدوم. النقلة التنموية معقدة وليس هناك وصفة أو خطة عمل. أدبيات الاقتصاد السياسي والتنمية لا تسعف المخطط أو المفكر كثيرا، ولكن الركون على حالة غيبية استسلام فكري وحتى أخلاقي. لغرض تفكيك هذا التحدي أقدم محاولة للسيطرة على طبيعة التحدي. أرى أن هناك ثلاث دوائر لا يخرج عنها طبيعة التحدي.
الدائرة الأولى ليست مادية. فهي أقرب ما تكون التعبير الحقيقي عن الرغبة في التغيير حين يستبعد "شرك" الهوية ومطبات المصالح الضيقة وتستطيح تجارب الآخرين بتقليدها نفعيا. تجارب من هذا النوع تنتهي بالحد الأدنى الذي لا يستطيع مواجهة التحديات. السبب أن ربطها بالرغبة ليس أصيلا. تقنين الرغبة الحقيقية له بعد رسالي وبعد مادي. الأول في ميزان المصداقية والثقة والثاني في العمل على الأرض واستنباط المعايير العلمية التي لا ترحم ولا تستثني أحدا. فهي من زاوية أخرى محاولة السياسي شراء الشرعية من خلال الأداء. خديعة الهوية أصبحت تخصصا عربيا بامتياز. لم نستطع اليقين بأن آخر نسخة حضارية هي الغربية في توسيع مدار الحريات والأخذ بالعلم والمعرفة. ليس هناك تناقض بين هذا المفهوم وأي رسالة دينية أو محتوى ثقافي.
الدائرة الثانية مادية بطبعها خاصة للدول النفطية. الاقتصاد التنموي ميدان النجاح أو الفشل وليس أهم لدينا من النفط. الوقود الأحفوري ما زال مهما، ولكن مركزيته الاقتصادية في تناقص كحصة من الطاقة. ولكن الأهم أننا نستهلك نحو ربع الإنتاج، وأصبحت المملكة أكبر مستخدم للنفط في توليد الكهرباء في العالم (نحو 900 ألف برميل يوميا، مقارنة بالكويت والعراق بنحو 100 ألف كثاني مستخدم بين دول الأوبك). سوف تجد من يقدم تطمينات متواصلة، ولكنها في مجملها تغفل العلاقة بين مصدر تمويل متغير ومصروفات الجزء الثابت فيها في تصاعد أسرع من معدلات الإنتاج ناهيك عن الإنتاجية. إداريا السيطرة على الاقتصاد من خلال الميزانية يأتي على حساب المساحة الكافية لخطوات اقتصادية تهدف إلى النمو والإنتاجية. السياسة الاقتصادية الحصيفة تنتهي بتحفيز الأعمال الحرة إلى المنافسة والتلقائية. إدارة الاقتصاد فنية إدارية بطبعها وهذا يقود للدائرة الثالثة. لما تكون المالية أهم من الاقتصاد نكون قد وضعنا العربة أمام الحصان، وبالتالي تبدأ العربة في الدوران على نفسها ويصبح التقدم عفويا وبسيطا، وليس من خلال جهد منظم قابل الاستدامة. ميدان الحراك الاقتصادي هو تفعيل الطاقات البشرية، وهذا يتم بإعادة النظر في منظومة الحوافز الكلية. وهذا لن يتم بدوره دون تفريق أولي بين المؤسسة (المنافسة والقضاء وحماية الحقوق والمعايير التعليمية والاهتمام بفعالية الجهاز البيروقراطي) وبين اللاعبين (الشركات وحكومتها والأفراد وتعريضهم لقوى الإنتاج وحماية بعضهم وتحجيم القطاع الحكومي). فرز المؤسساتي عن اللاعبين يتم من خلال التعامل اقتصاديا مع هيمنة الدعم على أنماط التصرفات، بل إن الاختبار الحقيقي للقرار الاقتصادي في مدى قدرته على تغيير التصرفات. التشريعات والأدوات والآليات كثيرة، ولا تحتاج إلى استشاريين أجانب لمعرفة مكامن الخلل أو الفرص، بل إن الكفاءة في الغالب ترتفع إذا كان النهج أصيلا وتراكمي التعلم.
الحل في إيجاد نقاط التطابق والتلامس بين هذه الدوائر بالتضافر والتزامن الصحي وتقدير المخاطر بعدم الحراك.