تأتأة صالح
كان صالح في الروضة فاقد الثقة بعكس ابن عمه. كثير التأتأة، لا تخرج الكلمات من فمه إلا بصعوبة بالغة. كانت أمه تحاول أن تفتعل عدم تأثرها بما يجري. تحاول ألا تبدي أي تضجر وهي تنتظره ينطق أي كلمة كأنه يجرها من حنجرته. لكن كان زوجها يشعر بالحرج عندما يقارنون ابنه بأقرانه الذين في سنه، كيف ينطلقون ويلعبون ويتحدثون، بينما ابنه يتعثر في كلمة من ثلاثة حروف. بدأ لاحقا الآباء يشفقون على صالح. يربتون على كتفه كأنه مريض. يسألون له الشفاء سرا وعلانية. يتبرعون بأرقام اختصاصين في مجال صعوبات النطق. عزمت أم صالح منذ تلك اللحظة على تغيير هذا الواقع بكل ما أوتيت من قوة. عملت على تربية ابنها كأنها ترسم لوحة تصنع كل تفاصيلها بعناية فائقة، أو كأنها تخيط ثوبا وتضع مقاساته بدقة عالية وبمزاج مرتفع. علمته أن يثق بنفسه وبما يقول. ظلت طويلا تتحدث وتستمع إليه وتستمتع بما يقول. تصفق له عندما ينتهي من كلمة. تقفز عندما يختتم جملة. تصنع له الطبق الذي يحبه إذا تدفق في حديثه. وتشتري له الشوكولاتة التي يفضلها إذا ابتسم وهو ينهمر. شرعت في تحفيظه القرآن في عمر مبكر. تطورت لغته وثقته.
أصبح صالح تدريجيا مميزا في كل شيء. في كل شيء تقريبا. ساعده القرآن على استقامة لغته العربية. أتم حفظ القرآن وهو في المرحلة المتوسطة. أعطاه حفظه لكتابه الكريم ثقة إضافية. منحه بريقا لا يملكه أترابه. أمسى نجما وسط أسرته وفي مدرسته.
تتذكر أمه بداياته المتعثرة، وتشكر الله سبحانه وتعالى. كيف تحول ابنها من مصدر شفقة إلى مصدر فخر. يؤم المصلين وأتم كتابه الكريم.
كلنا نواجه مصاعب متفاوتة في مجالات مختلفة. بعضنا أدار ظهره لها وأنكرها. بينما آخرون واجهوها وتعاطوا معها بجدية. وحدهم أولئك الذين يقابلون مشكلاتهم بإيمان بالغ وإحساس بالمسؤولية ينتصرون. الهروب من المواجهة قد يسعدك يوما، لكن قد يحزنك دهرا.
ها هي أم صالح اليوم تقطف ثمار كفاحها، ابنا مشرقا بعد جهد هائل وتضحيات جسيمة. الصعود إلى المنصات مَهْرُهُ كثير من العرق والإصابات.