بوفيه إفطار
فوجئت بابني يعتذر عن تناول الإفطار معنا، بحجة أنه مدعو لحضور بوفيه إفطار في أحد الفنادق. أصدقكم أنني لم أحضر مثل هكذا فعالية في حياتي. إفطار الشهر الفضيل عندي، يتركز في جلسة عائلية تحفها الأطباق المنزلية ببساطتها وجمالها والجهد الذي ينتجها.
برغم كل ما يقوله البعض عن التغيير الاجتماعي وتحويل العادات إلى أنماط تتماشى مع الحاضر، سأحاول أن أبقي على ما تبقى لي من أنماطي القديمة، وإن كان الوضع يستدعي في بعض الأحيان الاستعانة بمطعم مجاور أو محل فول مشهود له.
أرجع بذاكرتي لأيام الطفولة التي لم نكن نعرف فيها أي شيء عن الأكل خارج المنزل، سوى ما يفعله المسافر أو يعيشه الأكابر في الفنادق، قد يكون هذا الدافع الذي جعلني أستغرب قرار ابني أن يوافق على دعوة زميله على طعام الإفطار.
هذا الزميل كان يتناول إفطاره في بعض الأيام على سفرتنا، مع ذلك لم يجاملنا بدعوة، احتمال قبولها ضعيف ــ كما أسلفت. وقد يكون هذا السبب الآخر الذي أنشأ شعورا سلبيا تجاه هذه الدعوة.
على أنني لا أعتبر هذا السلوك نقصا في أي فرد من العائلة، إن كان هناك من يريد أن يصطاد في الماء العكر ويفسر رأيي هذا بسيطرة الذكورية على قناعات الفقير لله.
كل ما هناك هو أنني أظن أن هذه الفكرة لا تتماشى مع مفاهيم وفكر المجتمع السعودي الذي تعودت على التعامل معه. يغلب على الإفطار في هذا المجتمع البساطة، ومحاولة تقليل الاستهلاك في الفترة الواقعة بين أذان المغرب وانتهاء صلاة التراويح.
الأكيد أن الضيف والمضيف في حفلة الإفطار تلك، صليا المغرب والعشاء، ولكنهما لن يتمكنا من أداء التراويح بسبب الكم الذي استهلكاه وهما يحاولان "تحليل" قيمة البوفيه التي تجاوزت 150 ريالا لكل واحد منهما.
الحكمة من اعتراضي ومقارنتي للماضي بالحاضر والتأكيد على السعر المبالغ فيه لتلك الوجبة هو التنبيه إلى أن رمضان مجموعة متكاملة من الأعمال الدينية التي يجب ألا تحد من العمل بها العادات الاجتماعية أو التغييرات الطارئة على أساليب الحياة. سألت ابني في الختام: لماذا لم تكن الدعوة للعشاء أو السحور؟
وهو سؤال أوجهه لكل من ينوي الذهاب إلى بوفيه إفطار.