تأجيل المتعة

في بداية السبعينيات أجرى والتر ميشيل أحد أساتذة علم النفس في جامعة ستانفورد تجربته الشهيرة "اختبار حلوى المارشميلو" على مجموعة من الأطفال في الرابعة من عمرهم
بوضعهم وحدهم في غرفة مغلقة يوجد فيها طاولة عليها قطعة من حلوى المارشميلو اللذيذة وأخبروا الأطفال ذوي السنوات الأربع أن لديهم الحرية في أكل هذه الحلوى فورا ولكن إذا مرت 15 دقيقة دون أن يأكلوها فسيفوزون بقطعة حلوى إضافية فتصبح لديهم اثنتان بدل واحدة!
هل تخيلتم مقدار الصعوبة التي سيعانيها طفل الأعوام الأربعة وهو ينظر إلى الحلوى المغرية دون أن يتمكن من أكلها، لنرى ما حدث عندما ترك الأستاذ الغرفة؟
بمجرد أن أغلق الباب لم يستطع بعض الأطفال السيطرة على إغراء الحلوى فأكلوها بعد خروج الأستاذ مباشرة، وبعضهم أكلها على دفعات، والبعض صمد حتى 14 دقيقة وقبل نهاية الوقت بثوان انهار وأكلها. ما يثير الانتباه أن واحدا فقط من كل ثلاثة أطفال أخذ ينظر إلى الحلوى ويتأملها ثم يعيدها ويحاول شغل نفسه عنها بالمشي واللعب أو يغمض عينيه أو يكلم نفسه ويكتف يديه وينام!
لقد اكتشف ميشيل بعد مئات الساعات التي راقب فيها الأطفال أثناء التجربة أن سر امتناعهم عن أكل المارشميلو يكمن في عدم التفكير في لذته ولو فكروا فيها لأكلوه ولكنهم هزموا رغبتهم في استخدام سياسة "تشتيت الانتباه"!
وبعد 12 سنة تم تتبع الأطفال أنفسهم ودراسة سلوكياتهم في المرحلة الثانوية، فكانت المفاجأة أن الذين صبروا ولم يلتهموا الحلوى وهم صغار.. كانوا أكثر نجاحا في حياتهم الاجتماعية..
ولديهم ثقة بالنفس أكبر.. وقدرة على مواجهة احباطات الحياة.. يتحملون المسؤولية بجدارة.. وكانوا الأفضل دراسيا.. وأبعد عن الوقوع في حبائل الإدمان.. ودرجات تحصيلهم العلمي عالية! أما الذين لم يصبروا.. كانوا أكثر هروبا في المواقف الاجتماعية.. ثقتهم بأنفسهم منخفضة.. غير قنوعين.. ميالين للحسد والحقد.. حادي الطبع.. ولم يتمكنوا من دخول الجامعة.
لقد توصل طفل الرابعة وفهم أهم عوامل النجاح وهو القدرة على "تأخير المنافع" وضبط النفس أمام المغريات للكسب الأكبر في النهاية! ومن الطريف أنه عند إعادة التجربة على أطفال من كولومبيا قامت طفلة بأكل الحلوى من الداخل لتوهم الباحث جوكيم دي بوسادا أنها لم تتناول الحلوى لذا قال الباحث إن هذه الطفلة ستحقق النجاح يوما لكن يجب ألا تعمل في مصرف أو في المحاسبة وأن تخضع للمراقبة طوال الوقت!
في الواقع نحن نواجه مئات التحديات في اليوم الواحد كلها تؤدي بنا إلى نتيجة واحدة أن ترك المتع قصيرة الأجل واستبدالها بأهداف طويلة الأجل ولكن مردودها أكبر وذلك بضبط النفس والتركيز على العمل الدؤوب مهما كانت المغريات هو الطريق الصحيح، لتحقيق النجاح.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي