الصيام عند الشعوب
عرفت أهمية الصوم وتأثيره الروحي والنفسي والجسماني منذ القدم، ومارسته معظم الشعوب، وتميز به بعض الأشخاص؛ كل حسب طريقته وغايته من الصيام.
في الحضارات القديمة، كان الصيام تدريبا لتجهيز المرء للتقرب للآلهة؛ لاعتقادهم أن الآلهة لا تكشف عن تعاليمها المقدسة إلا في الرؤى والأحلام، وبعد الصيام الذي يتطلب التفاني والإخلاص التامّين من المتعبدين، كما في "الأديان الهيلينية" وكما يفعل "الشامانيون" وهم شخصيات دينية يعتقد أن لديهم القدرة على الشفاء والتواصل الروحي، فبعد إصابتهم بأمراض غريبة وشفائهم منها يصومون لتدريب أنفسهم لرؤية المزيد والسيطرة على الأرواح!
أما لدى "شعوب بيرو"، فالصوم غالبا من متطلبات التكفير عن الذنب بعد اعتراف الفرد بخطاياه أمام الكاهن. وفي عديد من الثقافات الأخرى اعتبر الصيام وسيلة لتهدئة غضب الآلهة!
يُذكر أن المصريين القدماء عرفوا الصوم في أعيادهم، وكان الكهنة يصومون من أسبوع إلى ستة أسابيع في السنة، كما استخدموه وسيلة لتحسين الصحة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وأخذ اليونانيون عادة الصوم من المصريين القدماء وكانوا يصومون أياماً عدة متتالية قبل الشروع في الحرب، كتدريب على قوة التحمُّل، وصوم يوم لديهم أفضل من تعاطي العلاج. لذا عمد سقراط وأفلاطون وفيثاغورس للصيام؛ للوصول إلى ذروة الإتقان الذهني والتخلص من طغيان الجسد!
أما طائفتا المانوية والصابئين، من عبدة الكواكب فهم يصومون شكراً للقمر.
وأصحاب العقيدة الجاينية يصومون مع أنماط من التأمل تصل بهم إلى النشوة وحالة من التسامي والانفصال عن العالم المادي!
وقبل عام 1949 كان الصينيون يصومون ويمتنعون عن ممارسة الجنس قبل تقديم الأضحية في ليلة الانقلاب الشتوي، حيث يعتقد أن "يانج" الإله أو ما يعرف بالطاقة الإيجابية تبدأ دورة جديدة!
وفي اليابان كانت الوسيلة الوحيدة لإذلال الطغاة هي الصوم أمام أبوابهم حتى الموت!
واستخدم الصيام لأغراض سياسية واجتماعية وللاعتراض أو المطالبة بالحقوق، كما فعل غاندي والكثير من المساجين، أو للتكفير عن الذنوب في طقس يدعى "سانترا" تفعله الطائفة "اليانية"، ومعناه "الصيام حتى الموت"، وذلك لتطهير أنفسهم من الخطايا والذنوب والاستعداد لمرحلة ما بعد الموت.
أطول فترة صوم سجلتها الراهبة "سادفي تشاران" كانت 87 يوما قبل أن تموت عن عمر 60 عاما، بينما كان أكثر من 20 ألف شخص يراقبونها ويهللون لخلاصها!
أما الزرادشتية، فهي الديانة الوحيدة التي حرّمت الصوم من بين كل الديانات؛ لاعتقادها أن هذا الشكل من الزهد والتقشف لن يساعد أو يقوي المؤمنين في كفاحهم ضد الشر!