رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


دعوة إصلاح أم خروج عن المشترك الوطني؟

الحديث عن التطوير والإصلاح الحكومي وأسلوب صنع القرار العام وإدارة المجتمع أمر حتمي، تستدعيه ضرورة التكيف مع المتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية. وعلى الرغم من أهمية الإصلاح، إلا أن النقاش فيه قد يأخذ منحى خطيرا، يصل إلى حد تهديد كينونتنا وهويتنا واستقرارنا. فهناك من يود تفكيك نسيجنا الاجتماعي، واختراق ثوابتنا الوطنية بدعوى الإصلاح، ودس أفكاره الخبيثة في قالب يبدو للقارئ موضعيا وحياديا.
هل يعقل أن يشكك أحد المثقفين في اللحمة الوطنية، ويعيب على أبناء الوطن تداعيهم العاطفي وتعاضدهم في محنتهم، ويسخر من أننا هكذا لا نفكر ولا نعي، ويتهمنا بأن اهتمامنا كدولة محدود في مواجهة الطارئ دون التخطيط للمستقبل. أحدهم كتب مقالا تجرأ فيه على الوطن والمواطنين، وسخر من حال التعاطف والتعازي بين أبناء الوطن في حادثتي القديح والدمام؛ فقط لأنه ينطلق من فكر طائفي ضيق الأفق، تسيطر عليه ثقافة المظلومية المتجذرة في وجدانه وتفكيره، فيعلن عنها في كتاباته دونما يعلم أن الجميع يقرأها بكل وضوح، حتى لو ألبسها ثوب الموضوعية، أو أضفى عليها تعابير تمنحها صبغة الوطنية.
الغريب أنه يقوم بخلط الأوراق، ويدلس على العموم في أن ما حصل من أحداث إرهابية هو نتيجة سياسات حكومية خاطئة. وفضلا عن أن هذا اتهام خطير يخرج قائله عن المشترك الوطني، ويحوله إلى عدو خفي، مع أن الحكومة ذاتها التي يتهكم عليها هي التي ضمنت له حرية الحديث عبر وسائل الإعلام، حتى إن نفث سمومه وأحقاده، فهي– الحكومة- تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين.
إن من تصدر عنه مثل هذه الأطروحات النشاز ينحدر بالنقاش إلى مستوى من الإسفاف، ليقوم وبطريقة سمجة بالربط بين الجرائم الإرهابية وسياسة الحكومة، ويصرح ببجاحة بأن ما حدث هو تطرف أوجدته الحكومة. وكأن المستهدفين من هذا الإرهاب هم فئة بعينها من المواطنين وليس الوطن بأكمله وبجميع فئاته ومكوناته. ولا أعلم لماذا البعض يجتزئ الحقائق، ولا يعترف بأن التطرف الديني في المنطقة بل الإرهاب الطائفي وما يحدث من إرهاب وتعدٍّ على رجال الأمن هو قادم من خارج الحدود، وتقف وراءه دول إقليمية معروفة.
ولا شك أن ما يجري في بعض المنابر الطائفية من تأليب على الدولة، وبث روح الكراهية والسب والشتم للرموز الدينية والوطنية، والدفع نحو الاصطفاف الطائفي أمر خطير، ويقع في دائرة التحريض على أعمال إرهابية وإجرامية مسلحة. كل ذلك يتم التغاضي عنه من قِبل بعض الكتاب، ولا يعد في نظرهم أنه عمل إرهابي بامتياز، مع أنه خيانة كبرى للوطن، خاصة من أولئك الذين يعملون على تأسيس علاقات خفية مع الدول والهيئات الأجنبية للتدخل في الشؤون الداخلية للوطن، بل تشويه صورته إعلاميا. ومن ثم يقفز ذلك البعض للتصريح دون خجل بأن جهود الحوار الوطني وحقوق الإنسان في حالة تراجع، وأن الدولة لا تأبه للقضايا الكبيرة، وتنشغل عنها بالقضايا الهامشية على حد تعبيرهم. ويستخدم ذلك البعض لغة الإصلاح للهمز واللمز للنيل من الدولة وجهودها الكبيرة في التنمية الوطنية.
المشكلة أنهم في الوقت ذاته يدعون إلى الحوار وحقوق الإنسان، بينما يلغون الآخر ويتهمونه بالإرهاب ظلما وعدوانا. والحقيقة أن هذا الخطاب التحريضي لم يكن ليظهر على السطح بهذه الحدة والجرأة إلا نتيجة انزعاج تلك الثلة من الكتاب، بسبب استعادة الدولة هيبتها وقوتها في المنطقة.
إن من العيب أن يلقي المثقف التهم على الدولة التي تحميه ويعيش في كنفها، ومن ثم يكرر الكتابة بنفس طائفي، وبانتقائية لم تعد تخفى على أحد، وإن كان هنالك من يصفق لها بدافع العاطفة والانتماء الطائفي، إلا أنها بلا شك تشق الصف الوطني، وتؤجج نار الفتنة في ظرف يواجه فيه الوطن تحديا كبيرا، يمس أمنه واستقراره، بل أمن المنطقة برمتها.
إن وحدتنا وقوة جبهتنا الداخلية خط أحمر، لن تسمح الدولة ولا المواطنون لأي كائن من كان أن يعبث بها، وهي حق للجميع، تصونه وتعمل لتحقيقه.
إن من السفه ربط الحديث عن الإصلاح بالإرهاب القادم من خارج الحدود. هل يريد أولئك أن نكون مثل إيران في تعاملها الإجرامي مع الأقليات؟ أو نكون مثل العراق في تكوين جيش شعبي يقوم على أساس طائفي يقتل على الهوية؟ أو أن تلقي الدولة براميل متفجرة على المواطنين في وَضَحِ النهار مثل ما يفعل النظام السوري؟ أو نعيث في الأرض فسادا كما يفعل حزب الله في لبنان؟ هذا هو الإرهاب بعينه، فيا ترى هل يغذيه التشدد الديني في السعودية؟ إن ما جرى في مملكة البحرين من أعمال إرهابية، وترويع الآمنين، والخروج على الدولة أمر غير مقبول، ومع هذا لم يكتب أولئك حرفا واحدا حول ما يجري من أحداث دامية تغذيها قوى خارجية، فضلا عن أن يشجبوها وينكروها. ومن الغريب أنهم لا يجرؤون على نقد من يقود الإرهاب في المنطقة، الذين يسعون إلى تصدير ثورتهم المبنية على ثقافة الكراهية، وبث الفرقة، وتأجيج الصراع الطائفي في كل مكان.
وإذا كان الإصلاح أمرا لازما- وهو كذلك-، فإن الحديث عنه يجب أن يكون داخل المشترك الوطني، وينطلق من الثوابت الوطنية، وأهمها الشريعة الإسلامية، إلا أن بعض المثقفين ممن لهم أجندة خارجية يصرون على الحديث عن الإصلاح بطريقة تنال من الثوابت الوطنية، وتشكك في أهميتها لأسباب تتصل بمصالح دول من حولنا. فمن يلقن أولئك الذين يتطاولون على الدولة والمجتمع بحجة الإصلاح درسا في الحفاظ على المشترك الوطني ليعلموا "أين كنا وأين صرنا"!.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي