هل السعودي متفائل أم متشائم؟
ذكرت دراسة عالمية أن الفرنسيين الأكثر تشاؤما، وأن الفيتناميين الأكثر تفاؤلا. "لا أعرف تفاصيل الدراسة ولكن اطلعت على إشارة موثقة عنها". حدثني أحد أعضاء مجلس الشورى أن هناك شحنا سلبيا مملوءا بالنقد الموضوعي وغير الموضوعي في غالبه في مجتمعنا. اتفقنا أن هذه النزعة تعيق المناقشة الموضوعية الضرورية وبالتالي لها تأثير في العمل. اخترت هذا العنوان لأن الأغلبية لدينا توظف هذه الثنائية المطاطية كمنظار ورمزية لما هو أهم: تحوير وتسخير الطاقة الكامنة لدينا إلى سلبية، وبالتالي إزاحة الفضاء الكافي لتفعيل الطاقة الإيجابية. التفاؤل والتشاؤم حالة ذهنية ونفسية وقتية، فهي مع اختلاف الموضوع مثل المركز المالي محاسبيا "صورة في لحظة معينة" بينما الطاقة مثل قائمة الربح والخسارة للشركة ـــ تعبير عن أداء المجتمع لمدة في حالة الشركة لربع أو سنة مالية، بينما هي خطة خمسية أو عشرية أو حتى جيلية للمجتمع. التشبيه ككل تشبيه آخر لابد أن يكون ناقصا ولكن توصيل الفكرة أهم. كما في الجداول المحاسبية هناك أيضا علاقة عضوية بين الحالة الذهنية النفسية والطاقة.
وصف الحالة بالذهنية والنفسية يقربها جوهريا بالتمركز المالي والوظيفي والاجتماعي. هذا التمركز له تبعات نفسية تقود كلا منا إلى إسقاط معين على دوره في المنظومة المجتمعية. واقعيا المنظومة المجتمعية تطالب بأداء وكفاءة بغض النظر عن المعايير المتبعة. كلما انشغل الإنسان بالتمركز على حساب الأداء وإدارة الطاقة، صار أقرب إلى أن يكون حبيس اللحظة، وبالتالي الحكم على الأمور من منظار التفاؤل والتشاؤم على حساب الكفاءة وإدارة توازن ما في الطاقة الفردية والجمعية والمسؤولية كما يقول المثل الشعبي يمدح السوق من يربح منه. كان ردي على عضو مجلس الشورى أنني أتفق معه على أن هناك طاقة سلبية في الممارسة "تكرار الحالة يصبح عادة"، ولكن الأحرى أن نعيد تأطير السياق والنقاش لتصبح الطاقة "النزعة للتطوير والتنمية" هي محور الاهتمام الخاص والعام وليس إسقاطات وتعابير عن حالة نفسية/ ذهنية يختلط فيها السباق العدمي والمقارنات السطحية مع استحقاقات الجدارة والطرح الموضوعي المقنع.
كان حال رده يقول إنه يصعب الفصل بين الحالة الذهنية/النفسية والطاقة. هذا صحيح ولكنه تفاصيل في نظري من ناحية، وقد يكون مدخلا لشخصنة الأمور في مجتمع ما زال الشخص فيه أهم من العمل أحيانا، وبالتالي تكريسا لمفاهيم وممارسات خاطئة ومهربا آخر عن التركيز على التحديات التنموية، فمن كرس هذه الممارسات السلبية لا يمكن أن يكون سعيدا.
يقول علماء النفس إن السعادة ما هي إلا القدرة على إدارة المسافة الصحية بين الإنجازات وسقف التوقعات. في المملكة الإنجاز الجمعي لا بد أن يقود للسعادة، وبالتالي تقليل الطاقة السلبية وتحفيز الإيجابية، بينما تركيز الأنظار على كل حالة فردية "ترتيب الفرد في المنظومة" لا بد أن يقود موضوعيا إلى التوجس والشك والطموح المشروع والمطالبة بما هو ليس لك حق فيه في مزيج غير متجانس. ذكر عضو مجلس الشورى المتفائل والموضوعي في طرحه أن هناك طاقة سلبية نتيجة النظر إلى الأمور من ناحية لحظية دون تسلسل زمني وتماسك إداري يقود إلى خيار تفعيل الطاقة. إنجازات المملكة والفرص التي أتيحت للملايين غير مسبوقة خاصة مقارنة بدول المنطقة المتوسطة والكبيرة. لعل السؤال الفلسفي هل الحالة تعبير عن سقف توقعات أعلى، أو عدم الرضى بما أنجز على الرغم من حجمه الذي يسهل قياسه موضوعيا ماديا، أو على سلم الزمن، أو مقارنة بالآخرين؟. لعل هذه الجدلية من طبيعة البشر وبالتالي ستستمر، تقول الآية الكريمة: «لقد خلقنا الإنسان في كبد». التعامل معها يتم من خلال النقاش الهادئ، والمساءلة الشخصية، والحوار الذي يتم بين الفرد ونفسه، والتأمل والقراءة الجادة قبل الحديث مع الآخرين.
إنجازات المملكة معروفة ولكن التحديات كبيرة ولعل الحالة تعبير عن التهيئة لمرحلة أخرى، فلقد بدأنا في استهلاك نموذج تنموي وما يحمل من إسقاطات ثقافية وحان الوقت لآخر كما حاولت الإشارة في عدة مقالات سابقة.