ورش جدة
تتهيأ مدينة جدة للتخلص من أكثر من 2000 ورشة ومركز صيانة ومصنع أثاث، بنقلها إلى الموقع الجديد "للصناعية". هذا المسمى الذي استُخدم في غير موقعه فهي "صيانية" أكثر منها صناعية، يضم الموقع 268 ورشة مجهزة.
السؤال الأهم هو أين ستذهب أكثر من 1700 ورشة؟ والجواب الأكيد أنها ستبقى لتستمر مع وجودها معاناة السكان ولتصبح مقصدا لمن لا يريدون أن يضيعوا يوما كاملا في سبيل تنفيذ صيانة لا تستغرق أكثر من ساعة.
قد يكون قدر جدة أن تكون جميع حلولها غير متكاملة، أو أقل تفاعلا مع الاحتياج الحقيقي، لكنها أزمة يعانيها أغلب مدن المملكة. التخطيط يبدأ في سنة معينة، وتستمر محاولات إقناع الجهات المسؤولة داخل المدينة بالموافقة عليه، ثم يأتي الحاجز الأكبر وهو وزارة المالية حيث يتوقف المشروع لعدد من السنوات تجعله عند التنفيذ من الفئة التي "لا تسمن ولا تغني من جوع".
هل يلام المخطط بسبب عدم توقعه للعوائق التي سيضطر للتعامل معها، أم نلوم الإدارات الحكومية التي تماطل وتؤخر الموافقات على المشاريع، أم نلوم الوزارة التي تبني الميزانيات على معادلات أهمها "التقصيص" من جميع الجوانب؟
أظن الجميع يلام، لكن البيروقراطية، وأسلوب توزيع الميزانيات هما في نظري الأهم. ميزانيات البلديات والصحة والتعليم وغيرها من الخدمات المتكاملة مركزية. بمعنى أنه حتى من يناقشون الميزانيات قد لا تكون لهم علاقة بتنفيذ المشاريع أو الاستفادة منها في النهاية وهو ما يجعل علاقتهم بالمشروع رقمية فقط.
بينما تلك القضايا بالنسبة لمسؤولي المناطق والمحافظات والمراكز هي قضايا إنسانية يضطرون لتبريرها بشكل شبه يومي نيابة عن الموافقين على "التقصيص". هذه المشكلة يبوح بها أغلب من أتعاطى معهم من مسؤولي المناطق البعيدة عن المركز. وهي بحاجة إلى الدراسة والحل على أعلى المستويات.
إن التوافق والتنسيق والتعاون من أهم متطلبات المدينة الحديثة، إذ لا بد أن تكون الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية وخدمات الطاقة والاتصالات متوافقة ومتماشية لنحصل على مدينة مثالية وجاذبة للسكان. لذا فقد يكون من الملائم أن نتخلص من مركزية الميزانية للخدمات وتحويلها إلى ميزانيات باعتماد الجغرافية، حيث تقر لكل منطقة ميزانيات خدماتها، ولها الحق في نقاشها وتبرير طلباتها، وتوزيعها حسبما تراه من احتياجات المواطنين.