في الطريق إلى «كامب ديفيد» .. تضامن دول الخليج يقوي موقفها التفاوضي

في الطريق إلى «كامب ديفيد» .. تضامن دول الخليج يقوي موقفها التفاوضي
في الطريق إلى «كامب ديفيد» .. تضامن دول الخليج يقوي موقفها التفاوضي

يعود "كامب ديفيد" المنتجع الريفي لرئيس الولايات المتحدة لواجهة المشهد السياسي العربي بعد عقود من الغياب.

واللافت هنا أنه وعلى خلاف العادة التاريخية التي جرت بأن يكون هذا اللقاء من أجل وضع حد لتجاوزات إسرائيل.

فإنه يُعقد هذه المرة لمناقشة انتهاكات إيران المتكررة في المنطقة.

عاصفة "دبلوماسية"

يذكر أن هذا اللقاء المزمع عقده الأربعاء القادم سبقه حراك دبلوماسي عالي المستوى بدءا من قادة مجلس التعاون الذين اجتمعوا الأسبوع الماضي في الرياض للتحضير لهذا اللقاء وليس انتهاء بجولات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي اجتمع بوزراء خارجية مجلس التعاون في باريس بعد لقائه الملك سلمان في الرياض.

وعلى الرغم من أن الحراك الدبلوماسي المكثف غالبا ما يعد إشارة جيدة قبل أي اجتماع أو لقاء سياسي دولي.

إلا أنه، أمريكيا، على الأقل، لم يعد كذلك.

فإدارة الرئيس أوباما تحديدا عرفت بكثرة الحركة لكن مع "قلة البركة" كما يشير لذلك المحلل السياسي هشام العيتاني في حديثه للاقتصادية، مضيفا أن إدارة الرئيس أوباما تثق كثيرا فيما تعتبره سياسة ناعمة يجب أن تأخذ مجراها دائما.

لذلك لم يحدث على الأرجح أن زار وزير خارجية أمريكية المنطقة بالقدر ذاته الذي زار فيه جون كيري المنطقة، ولكن مع ذلك النتائج على أرض الواقع "كارثية" حتى عند مقارنتها بعقود مضت، وفقا للعيتاني.

وعن طبيعة موقف دول الخليجي التفاوضي خلال هذه المحادثات يؤكد عيتاني قوة موقفها خصوصا بعد أن أثبتت دول المجلس تماسك تحالفها سياسيا وعسكريا من خلال "عاصفة الحزم". 

غموض أمريكي

ورغم هذا الحراك الدبلوماسي المكثف من جهة الولايات المتحدة ومبعوثيها، إلا أنه لم يرشح عن هذا الحراك إلى الآن أي تصريحات أو معلومات تفيد بما تريد واشنطن تقديمه من ضمانات حيال الملف النووي الإيراني أو حتى حيال تدخلات إيران في المنطقة باستثناء ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية نقلا عن مصادر خاصة بأن واشنطن ستعرض على دول الخليج منظومة دفاعية صاروخية.

#2#

يتحدث المختص والباحث السياسي الأمريكي، روبرت ويلسون للاقتصادية، عبر مكالمة هاتفية، تعليقا على هذا الأمر، "إن صحت هذه المعلومات، فإن أوباما يعرض منظومة دفاعية على دول اختارت المبادرة والهجوم لحل مشكلاتها في المنطقة، بعد تقاعس وتردد أمريكيين".

وهنا تكمن المفارقة الصارخة، بحسب ويلسون، فلا يمكنك بحث أمر دفاعي بعد أن تطورت الأمور لهذا الحد الخطير الذي اعترفت به الأمم المتحدة ومجلس أمنها من خلال قراره الأخير 2216.

ويضيف ويلسون، أوباما ما زال يقرأ أوضاع المنطقة، بمنطق المصالحة، والمفاهمة، كما أنه يبحث عن حلول من داخل كل دولة، في حين الأمور تأخذ أبعادا واتجاهات أكثر خطورة دوليا وخارجيا، وبالتالي لم تعد تنفع معها السياسات الناعمة التي يعتمدها الرئيس أوباما.

وكل ما يمكن أن نأمله أن يقدم أوباما ومستشاروه من خلال هذا اللقاء اقتراحات أكثر واقعية وفاعلية وفقا لويلسون.

خطوط "وردية"

أما الخطوط الحمراء التي لطالما وضعها الرئيس أوباما للآخرين محذرا ومتوعدا من يتجاوزها، سواء في روسيا أو سورية أو العراق.

فإنها لم تعد حمراء في أعين الآخرين بقدر ما هي وردية وتدعو لمزيد من الانتهاك، بحسب كثير من المراقبين.

وهو الأمر الذي يعني ضرورة القيام بأمر مختلف نوعا وكما هذه المرة إلا أن كثيرا من المحللين في المقابل وفي الوقت الحالي تحديدا لا يتوقعون أي تغير جذري في سياسات أوباما تجاه المنطقة.

ومع ذلك يطالب كثير من المسؤولين والدبلوماسيين في المنطقة بمزيد من الوضوح، على أقل تقدير، تجاه قضايا المنطقة.

وهو ما حاول جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي توضيحه حد التلويح باستخدام القوة في خطاب ألقاه بمعهد واشنطن 30 نيسان/ أبريل: "أعزائي، لسنا بصدد عقد صفقة كبرى بين الولايات المتحدة وإيران من شأنها أن تعالج جميع الخلافات بيننا.. ولسنا نراهن على تغيير إيران لتوجهاتها.

فجميعكم تعلمون أن إيران ليست كياناً واحداً .. ولكن كما ترون، يتم خوض هذا النقاش داخل إيران. هذا ليس الأساس الذي يرتكز عليه هذا الاتفاق.. تماماً مثل المحادثات التي أجريناها مع الاتحاد السوفياتي حول الحد من التسلح - وهو نظام آخر كنّا نختلف معه بشكل جذري إذ كانت تصريحاته ولهجته وإجراءاته بغيضة وغير مقبولة، وواجهنا عملاءه بالقوة في جميع أنحاء العالم- ولكنّنا تفاوضنا للحد من التهديد النووي.. لذا نحن نعمل باستمرار على تطوير الوسائل والقدرات لمواجهة نشاطات إيران الهادفة إلى زعزعة الاستقرار.. ونحن على استعداد لاستخدام القوة.

ولكن يبقى هذا الكلام منسوبا لنائب الرئيس وليس للرئيس صاحب القرار الأهم، الذي وصل الأمر بمنتقديه من داخل أمريكا للسخرية من تفاهماته مع إيران في مقاربة بينها وبين مشروعه الصحي للرعاية المعروف بـ"أوباما كير".

في إشارة إلى أن ما يفعله الرئيس دوليا في ملفه النووي مع إيران لا يختلف كثيرا عن هذا المشروع من حيث العناية والاهتمام.

وهذه المقاربة الساخرة تلمح بطبيعة الحال إلى أن السياسة الخارجية لا يجب بحال من الأحوال أن تكون بهذا القدر من الرعاية والرفق، خصوصا تجاه دولة تحمل شعاراتها المعلَنة كثيرا من العداء تجاه الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

فرصة أخيرة

وبالعودة لاجتماع كامب ديفيد المزمع عقده بعد يومين تتجه كثير من الأنظار والتحليلات إلى كون هذه الفرصة قد تكون الأخيرة لإدارة البيت الأبيض من أجل وضع النقاط على الحروف بخصوص اتفاقها النووي مع إيران من جهة ومن أجل حزم أكبر تجاه إيران وتدخلاتها في المنطقة من جهة أخرى، خصوصا أن دول المنطقة اختارت استراتيجية أكثر حزما ووضوحا هذه المرة فمن باب أولى أن تكون الولايات المتحدة هي أيضا أكثر تحديدا ومعرفة بما تريده لنفسها ولأمن المنطقة الذي لا ينفصل بحال من الأحوال عن الأمن العالمي مع تصاعد دور الميليشيات والجماعات المسلحة الممولة من قبل دول مثل إيران.

وفي السياق ذاته، يكتب جيمس جيفري الزميل الزائر في معهد واشنطن توصياته لكامب ديفيد بعد قراءة مطولة للأحداث مخاطبا الإدارة الأمريكية: "بغية تأمين قمة ناجحة، سيتوجب على الإدارة الأمريكية أن تضع حداً للغموض الذي يسود طبيعة الصفقة مع إيران والغرض منها.

لكن مهما كانت قوة اعتقاد الإدارة باستراتيجية تحويلية، فإن السيناريو - في طهران، في الكونغرس، وبين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة - ينذر من عدم توصل هذه المقاربة إلى نتائج تؤتي ثمارها في الثمانية عشر شهراً المقبلة، بل إلا بعد مرور فترة من انتهاء ولاية الإدارة الحالية.

وبالتالي فإن دعم هذه الاستراتيجية علناً أو ترك الموضوع مفتوحاً لن يؤدي سوى إلى زعزعة دول "مجلس التعاون الخليجي" وتأجيج المشاعر في صفوف أولئك الذين يعارضون حتى قيام صفقة تعامل.

ومن المثير للسخرية أن إمكانية التحول في إيران يرجح أن تختفي إذا ما تم خرق الاتفاق.

كبح الانتهاكات

فما الذي يجب على الإدارة الأمريكية فعله في كامب ديفيد؟ يضيف جيفري: بالإضافة إلى تقديم الإجراءات الملموسة التي يبحث عنها الزوار، يتوجب على الرئيس الأمريكي أن يردد تصريحات نائبه جو بايدن التي جاءت في خطابه في 30 نيسان (أبريل) ويدعمها باتخاذ مزيد من الخطوات لمقاومة الانتهاكات الإيرانية في العالم العربي، وتشمل هذه اتخاذ تدابير أكثر صرامة في سورية.

وأخيراً، يجدر بالإدارة الأمريكية أن توضح من خلال جميع القنوات بأن العلاقة التحويلية مع طهران لا تشكل أولوية بالنسبة لها في الوقت الراهن.

إلى ذلك في الإمكان ملاحظة أن الداخل الأمريكي ممثلا في كثير من المحللين ومعاهد الدراسات الأمريكية لا يختلف هو أيضا عما تأمله دول مجلس التعاون في الخروج بقرارات وضمانات مكتوبة ومحددة من أجل أمن واستقرار المنطقة بما يضمن وضع حد لأطماع إيران وأذرعتها المسلحة في المنطقة، مؤكدين جميعا على أن ما يحصل في اليمن لا يختلف كثيرا عما يحدث في العراق وسورية.

وأن ضمان أمن المنطقة والعالم ضد الإرهاب وعدم الاستقرار لا يتجزأ طالما استمرت التدخلات والانتهاكات التي تمثلها اليوم جهة واحدة ووحيدة هي إيران.

الأكثر قراءة