رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نوافذ الجسد

نبتت لطارق الحطامي رجل ثالثة يسميها الناس "العكاز" بسبب إصابته بمرض التصلب اللويحي، الذي يضرب النظام العصبي، يخدشه، يهشمه، يجرحه.. لم يكن يتخيل طارق أن صعود الدرج سيكون مهمة شاقة يوما ما.
بكى أياما وشهورا.. دموعه الغزيرة لم تمنحه الشفاء، بل منحته الشقاء.
قرر أن يقلع عن النحيب.. أن يواجه المرض.. عثر على ماء الحياة يسري في عروقه عندما قرأ القرآن.. زرعت آياته بساتين السعادة في وجهه فنثرها حيثما سار.
الابتسامة التي يسكبها تذهب هناك بعيدا ثم تعود إليه هنا.. يقطفها من وجوه زوجته ووالديه وأحبته. الثقوب التي ملأت جسده النحيل من إبر العلاج باتت نوافذ جديدة يرى منها الحياة.
كان كل جرح يتعرض له بمنزلة باب جديد يفتح أمامه تجربة جديدة تثريه وتصقله. جعلته التحديات التي تكتنف طريقه شخصية أكثر تماسكا وقوة. لا يأنف ولا يستسلم للأوجاع. تعايش معها وطوعها لخدمة طموحاته.
لا يستمع لحشود الكسل التي تستوطن خلاياه عندما تحاول أن تمنعه من قراءة كتاب أو الخروج مع أصدقاء أو صعود الدرج. يتجاهلها ويلبي نداء ذرات النشاط التي تركض في أحشائه. يتحرك فتتسارع أحلامه وطموحاته ويتجاوز كل لحظات اليأس التي تحوم حول رأسه بلا كلل أو ملل.
تخرج طارق في الجامعة متفوقا.. ابتسامته التي تطرد الهموم، جعلته يركض خلف أحلامه بعكازه.. فيسبق.
المكافحون.. قد تتأخر مكافأتهم. لكنها حين تأتي، تأتي فاخرة.
لا تجعل العوائق عقبة في طريقك. اجعلها ذريعة لكي تقفز وتصل إلى عنان السماء.
حطم طارق كل تماثيل الإحباط بإرادته. لم يجعل هذا المرض يمنعه من تحقيق ذاته ومواصلة حياته. تعامل معه بواقعية ولم يسمح له أن يسلب منه أغلى ما يملك وهو إيمانه بقدراته وإمكاناته.
مشكلة الكثير منا أننا ندع بعض ظروفنا تخطف مستقبلنا، بينما الظروف مهما تأزمت وتفاقمت فهي مبرر وجيه للمحاولة. أصعب اللحظات هي لحظات الصدمة الأولى وعندما نتجاوزها يصبح كل شيء هينا يسيرا.
أعظم طريقة لحل مشكلاتنا مواجهتها. فهي تضعف عندما تقابلنا. تذوي وتتوارى. تصبح صغيرة ضئيلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي