خرائط سعيدة

نفقد الاستمتاع بالحياة وتتحول حياتنا إلى روتين قاتل، الأماكن نفسها، الوجوه نفسها، الطرق نفسها التي نسلكها يوميا سواء للذهاب للعمل أو لمراجعة إحدى الدوائر الحكومية أو زيارة الأقارب والأصدقاء. ومع زحمة شوارعنا يتحول المشوار إلى هم وعبء لدرجة أن البعض يفضل البقاء في البيت على قضاء ساعات طوال في الزحمة!
يتكرر الشعور نفسه في أغلب بلدان العالم، ما دعا المهندس البريطاني دانيلي كيرسيا الذي جعلته المصادفة يغير طريقة أفكاره ويبتكر "الخريطة السعيدة" للندن!
يقول دانيلي: كنت أستخدم الدراجة كل يوم للذهاب إلى العمل، وللبحث عن الطريق استخدمت هاتفي الذي أرشدني إلى شارع ماساشوستس، أقصر الطرق من بوسطن إلى كامبريدج. ولكن بعد شهر من ركوبي الدراجة كل يوم ومروري بشارع ماساشوستس، غيرت طريقي وأخذت طريقا مختلفا ولم أكن أعرف لماذا فعلت ذلك.
أتذكر فقط شعوري بالدهشة. فوجئت بالعثور على شارع خال من السيارات تكسوه الأوراق وتحيط به الأشجار، عكس "ماساشوستس"، المكتظ بالسيارات، وتساءلت: كيف كنت غافلا عن ذلك؟ كل ما كان يدور في ذهني هو استخدام تطبيق هاتفي للبحث عن شيء واحد فقط "أقصر الطرق"! لم تكن فكرة الاستمتاع بالطريق والتواصل مع الطبيعة والنظر في عيون البشر واردة في ذهني أبدا!
من منكم من لم يستخدم تلك التطبيقات الخاصة بالخرائط للوصول إلى وجهته بالضبط مع قليل من الطرق البديلة! لذا بعد تلك التجربة قررت إيجاد طرق سعيدة واستفدت من علماء الاجتماع والمهتمين بالتخطيط العمراني لإنشاء خرائط جديدة للمدن لا تمكنك من إيجاد أقصر الطرق فقط للوجهة التي تريد، بل تمنحك خيارا لسلوك طريق آخر أكثر متعة وجمالا!
لكن كيف تمكنا من ذلك؟
بقليل من الخيال تمكنت أنا وزملائي في جامعة كامبردج من رسم خرائطنا السعيدة بابتكار لعبة على الإنترنت لمعرفة أي جزء من المدينة يجده الناس جميلا، حيث يعرض على المشاركين صورتين من المشاهد الحضرية، ويطلب منهم أن يختاروا أي واحدة هي الأكثر جمالا وهدوءا وسعادة. وبناء على الآلاف من أصوات المشاركين، نكون قادرين على رؤية ما يتفقون عليه، وبالتعاون مع "مختبرات ياهو" استطعنا تجميع تلك المواقع الفائزة في لندن لبناء خريطة جديدة للمدينة، خرائط تراعي المشاعر الإنسانية!
في هذه الخرائط، لا يمكنك فقط رؤية الطريق الأقصر ولكن يمكنك أيضا رؤية الطريق الأكثر سعادة، والطريق الجميل والطريق الهادئ. والغريب أن المشاركين وجدوا الطريق السعيد والجميل والهادئ أكثر متعة من الطريق الأقصر حتى لو خسروا بعضا من وقتهم.
أحب المشاركون أيضا إرفاق ذكرياتهم عن الأماكن، مثل وجود بعض المباني القديمة والمشهورة أو ذكريات شخصية، كما أشاروا إلى أن بعض الطرق لها روائح مميزة وأصوات لا تنسى، وهذا سيكون المشروع الثاني من الخرائط السعيدة التي ستدلك على الطرق الأكثر متعة ليس فقط على أساس الجمال ولكن أيضا على أساس الرائحة، والصوت، والذكريات والأمان!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي