رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الخيارات الإيرانية

على الرغم من معرفة الإيرانيين للأوضاع العربية (لا يعرف العرب إيران بالدرجة نفسها)، إلا أن إيران فوجئت بـ"عاصفة الحزم"، كما فوجئت بالربيع العربي وإرهاصاته. يقابل هذا الفشل المعلوماتي والسياسي مرونة، لافتة في استغلال الظروف الموضوعية لتوسيع دائرة نفوذها. منطلق إيران يساعدها على المرونة بدرجة غير اعتيادية، حيث إن إيران تمزج بين قومية في الجوهر والعقل والأيديولوجية الطائفية في المظهر والقلب. هذه الجدلية في بناء الجسم الإيراني تخدمه تكتيكيا، ولكنها استراتيجيا لها حدود بدأت تظهر معالمها في أول تحد حقيقي. تكتيكيا لأن الظروف الموضوعية للدول العربية وأفغانستان تعطي إيران فرصة للتوسع، ولكنها استراتيجيا وتدريجيا تكشف عن نيات إيران بقدر وعي الآخرين على حسب درجة خسائرهم، فهناك خسائر من الدرجة الأولى (كما في العراق وسورية وأفغانستان واليمن) وخسائر من الدرجة الثانية على بقية الدول العربية. هيكليا إيران أقوى من أي دولة عربية، ولكن إيران ليست بالقوة إلى حد السيطرة في حال مقاومة منظمة، كما أن إيران من الأهمية والقوة أن يكون هناك نسق بين سياساتها الداخلية والخارجية في المديين المتوسط والبعيد؛ لأن عدم النسق في المدى القصير متوقع. الأوضاع الداخلية واختيارات النخب الإيرانية وانحسار المد الثوري تجعل قراءة الأوضاع صعبة، ولكن أيضا تقابل ذلك صعوبة الخيارات الإيرانية.
قبل الدخول في الخيارات، نستعرض بعض الحقائق. أولا، إيران الثورة لم تنجح اقتصاديا على خلفية أن أحد أهداف الثورة تحسين الأوضاع المعيشية للإيرانيين، فهناك 50 مليون فقير، وقريبون من خط الفقر أكثر من 75 مليونا، ما سبب تآكلا في سمعة الثورة ونخبها، وهذا أحد أسباب تراجع إيران النسبي في المسألة الذرية. ثانيا، دخلت صناعة النفط الحاسمة الخمس الأخير من حياتها الجيولوجية، وتحتاج إلى نحو 60 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة على الأقل لتعويض النقص في الاستثمارات والإهمال (هذا المبلغ فقط أكثر من صافي احتياطيات إيران). ثالثا، تجذر الدولة العميقة الأمنية العسكرية ممثلة بالحرس الثوري اقتصاديا، ما يعوق أي إصلاح اقتصادي جذري. رابعا، احتياجات إيران المالية تزداد صعوبة بين تمويل السياسات التوسعية ونقص الاستثمارات الداخلية والدعم المستفحل وتمويل التسليح، في ظل تناقص عوائد النفط. خامسا، والأكثر ارتباطا بالخيارات النخبوية والتغير الجيلي، فالقيادات الثورية في نهاية السبعينيات من عمرها ممثلة في خامنئي والقيادات العسكرية والأمنية التي تشكلت أثناء الحرب العراقية الإيرانية ممثلة في قاسم سليماني في عمر التقاعد، يصاحب ذلك نقص حاد في نسبة النمو السكاني، خاصة بين الفرس، ما يسبب قلقا كبيرا لديها، حيث إن الأقليات تشكل نحو 45 في المائة من السكان. يقابل ذلك بعض نقاط القوة، أولها، أن إيران استطاعت تكوين قاعدة علمية ممكن أن تتحول إلى منطلق اقتصادي لاحقا. ثانيا، لدى إيران رصيد معنوي مرده تحقيق اختراق في أرض العرب، حيث تمكنت من تجنيد ميليشيات منظمة كاملة الولاء لها مثل حزب الله، وحتى النظام العلوي في سورية ينطوي تحت الخصائص نفسها، والحوثي وأخرى في العراق، تتفادى إيران دعم الجيوش الرسمية للتمكن والضغط على الحكومات، وكذلك تتعامل مع المنظمات السنية بمكيال آخر: فهي تريدها من القوة أن تؤذي خصومها وتحافظ على مصداقية محاربة إسرائيل، ولكن ليس بدرجة تسليح الميليشيات الشيعية. هذه التفاصيل تدل على مدى تفريق إيران بين المصلحة القومية والفضاء الأيديولوجي. ثالثا هناك درجة أعلى جدية في بناء الدولة ولو نسبية مقارنة بالدول العربية. دعم المنظمات الإرهابية السنية مفيد لإيران، ولكن قوتها خطيرة أيضا، وقد تقود إيران لصدام مع الغرب، لذلك هناك تردد.
في ظل هذه التجاذبات والتوازنات لن تكون قراءة إيران أو خياراتها سهلة، فالفارسي لديه جنوح مادي وحالة من الافتخار، ولكن صرف الأموال الإيرانية على العصابات العربية دون مردود أو شكر وسعر عال سياسيا وأمنيا له حدود. قد يكون تباهي إيران بلغ مداه حين قال رجل الاستخبارات المتمكن والمستشار المعروف يونسي إن بغداد أصبحت عاصمة للإمبراطورية الإيرانية (لاحظ أنه لم يقل الفارسية في حالة توجس من الأقليات وارتجع إلى حقبة قبل الإسلام).
لا أعرف ما ستفعل إيران، ولكن تاريخ خامنئي الطموح والحريص يدل على أنه لن يتنازل عن السياسة التوسعية، ولكنه لن يلجأ أيضا إلى حماقات كبيرة في ظل تماسك العرب وعدم ثقة الغرب في نظامه. الأقرب أن يبدأ بتفعيل الخطة الثانية في سورية باللجوء إلى دويلة علوية في الجبل، وسيسعى بقوة لدعم الحوثيين بصواريخ بعيدة المدى لإلحاق أكبر ضرر على المملكة، وسيستمر في خلخلة العراق وجعله عميلا مستمرا للصناعات الإيرانية. كذلك ستدعم المنظمات السنية لدعم الفوضى بمعيار وسيزيد من الضغط الدعائي والدبلوماسي كإرسال سفن لرفع معنويات الداخل والمنظمات الخارجية. ولكن أيضا إيران مقبلة على تغيرات مهمة، ولذلك قد تلجأ إلى سياسة توفيقية إذا استمرت الخسائر وازداد اللوم الداخلي، وهذا أيضا مرتبط بنوعية القيادات القادمة، خاصة أنه ليس لإيران تاريخ في الاستقرار السياسي في المدى البعيد. المراحل الانتقالية دائما مملوءة بالمفاجآت وخطيرة. الخيارات العربية في المدى القصير واضحة: هزيمة أعوان إيران في سورية واليمن بحسم لأن أي نصف حل سيروق لإيران الصبر ثم الانقضاض. إنهاء الوجود السياسي والأمني في سورية، وبالتالي تخفيف الضغط على العراق ولبنان وإبعاد إيران عن جزيرة العرب يسمح للعرب وإيران بالتوازن في القوى، وبالتالي يزيد فرص التعاون البناء. الهدف يبقى أن تكون إيران جارة مسالمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي