شراب المسلمين
تفتتح الغالبية العظمى من البشر يومها بكوب منها، فتؤثر في أدائهم ونفسياتهم، لدرجة أن وصل استهلاكها عالميا إلى 16 مليار كوب يوميا.. تلك هي القهوة!
وفي العالم العربي زاد استهلاكهم لها ثلاثة أضعاف، انظر إلى وجه الرياض كيف تغير في السنتين الأخيرتين بسبب إقبال الناس المتزايد على القهوة، سواء كان حبا فيها أو كبرستيج، قل أن تجد شارعا رئيسا أو زاوية أو سوقا من دون محل قهوة.. ويعود الفضل في ذلك إلى راعي غنم يمني ــ إن صحت الرواية ــ حين لاحظ أن أغنامه تزداد نشاطا وحيوية عندما تتناول حبوب نوع معين من الأشجار، لذا حاول أن يجربها بنفسه ليكتشف سرها، ولاحظ الفرق، ومنذ ذلك اليوم تنوعت طرق تحضيرها من حبوب نيئة إلى منقوعة ثم محمصة، وهكذا ولدت القهوة وانطلقت من جبال اليمن إلى الإمبراطورية العثمانية في القرن الـ 15 ومنها إلى مصر والشام، ومن ثم استقرت في أوروبا، وأطلقت عليها السلطات الكاثوليكية "شراب المسلمين"، ولم تمنع هذه التسمية الأوروبيين من اتخاذ القهوة جزءا من ثقافتهم، واتخذوا من المقاهي ملاذا ومكانا لالتقاء المثقفين والفلاسفة والساسة، ومن المقاهي خرجت أعظم حركة فكرية في العالم الحديث "حركة التنوير"، وتشكل بذلك الفكر الأوروبي! لذا تعد القهوة من أهم الاكتشافات في تاريخ البشرية. ومن تنشيط العقول بالغذاء إلى تنشيطها بالعلم، بفضل المسلمين. جبر الخوارزمي، الذي ألف فيه كتابه الضخم ووضع فيه المبادئ الأساسية للمعادلات الرياضية وحساب المجاهيل لحل مشكلات العالم الواقعي، مثل حساب الزكاة وتقسيم الميراث والهندسة، في عالم لم تكن فيه حواسيب ولا آلات حاسبة، انتقل هذا العلم إلى أوروبا، وترجمت كتبه إلى اللاتينية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وكان يعرف بـ "الغوريتي"، ومنها سميت اللوغاريتمات نسبة إليه وإلى أعماله، التي لولاها لما عُرفت الرياضيات وطبقت في كل مناحي الحياة، ودرست مؤلفاته لمئات السنين في الجامعات الغربية.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر فإن الفضل في تأسيس الجامعات الغربية يعود في الأصل إلى المسلمين، فأول جامعة افتتحت في العالم خرجت من رحم الكتاب والمعاهد هي "جامعة القرويين" في المغرب، التي أسستها فاطمة الفهرية عام 859 في فاس، ويدرس فيها مختلف العلوم، وفي نهاية البرنامج الدراسي يمنح الطالب "إجازة" أي شهادة تخوله تدريس ما تعلم، وانتشرت بعدها المعاهد المانحة للشهادات، وتأسست جامعة الأزهر في مصر عام 970، ووصل هذا التطور في التعليم إلى أوروبا عن طريق إسبانيا التي كان الأوروبيون يسافرون إليها للدراسة!
ولولا ابن الهيثم وعزلته الإجبارية لما وصلنا إلى ما نحن فيه من تطور وتواصل مع البعيد والقريب، وكأنهم يعيشون معنا من خلال صورنا، فهو أول من أسس وطور علم التصوير.. فهل تتخيلون عالما بلا صور!