كيف أسهمت الطائفية والفساد في تقويض العراق؟
تفرد هذا الكتاب بتناوله الأزمات التي يعانيها الشعب العراقي، في ظل تركيز كثير من المحللين الغربيين على تقديم تفسيرات عدة لبناء الدولة العراقية، عقب الغزو الأمريكي عام2003، والانسحاب النهائي للقوات الأمريكية من البلاد.
وما يميز هذا الكتاب بحسب الباحثة في العلوم السياسية سارة خليل أنه من تأليف، زيد العلي، المتخصص في مجال القانون الدستوري المقارن والتحكيم التجاري الدولي، كما أنه عمل كمستشار قانوني للأمم المتحدة في العراق، خلال الفترة من 2005 إلى 2010 في شؤون الإصلاح البرلماني والقضائي والدستوري. علاوة على ذلك، فإنه تربطه علاقات جيدة مع الشعب والحكومة العراقية، ومسؤولي المجتمع الدولي، وعلى دراية كاملة بمشكلات المجتمع العراقي.
ويحاول الكتاب، الإجابة عن تساؤل رئيسي مفاده: لماذا وكيف فشلت الحكومة العراقية بعد انتهاء الغزو الأمريكي في تحقيق المشروعية، وتحسين مستوى المعيشة لمواطنيها؟ ويركز الكتاب على تناول الوضع السياسي العراقي، وأزمة الدستور العراقي، وما نتج عنه من تداعيات سياسية وأمنية عصفت باستقرار البلاد. يرى العلي أن الأوضاع في المجتمع العراقي غير مطمئنة إلى حد كبير، خاصة مع تزايد أعمال العنف، والتفجيرات المميتة، وتنامي الصراعات الطائفية، والفساد الحكومي المتفشي الذي يمنع تقدم البلاد، ويعيق البدء في حل قضايا الأمن، والرعاية الصحية، والطاقة.
وذكر أنه منذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق في ديسمبر 2011، تحول الاهتمام الدولي بعيدا عنها، وعانى كثير من العراقيين صعوبة الحياة. ولم يقتصر الأمر على المواطنين العراقيين فحسب -كما أوضح الكاتب- بل إنه بعد مرور عقد على الغزو وثلاث سنوات منذ الانسحاب، فإن المؤسسات العراقية مشتملة على البنية المؤسسية والهيكل الحكومي غير فعالة. ومن هنا، ركز الكاتب على الأزمات التي يعانيها المجتمع العراقي كما يأتي:
أوضح الكاتب أن العراق يعاني تدهور الأوضاع الأمنية منذ أكثر من عقد، فقد ساءت الأوضاع الأمنية بشكل كبير بين عامي2006 و2007، ما أسفر عن مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف مدني عراقي شهريا خلال تلك الفترة. بينما تضاءلت أعداد القتلى إلى 300 قتيل شهريا في الفترة بين عامي 2008 و2009، وبذلك انخفضت مستويات العنف في البلاد منذ تلك الفترة ولمدة عدة سنوات حتى عام2011، حيث عادت أعمال العنف مرة أخرى بشكل مخيف، على الرغم من أنها ليست كحدة أعمال العنف في عام 2006، إلا أنها أودت بحياة ألف شخص شهريا. وقد تطرق الكاتب إلى عودة أعمال العنف في الفلوجة، ودلل على ذلك بمقتل ما يقرب من ألفي شخص من القوات الأمنية. وأرجع الكاتب أعمال العنف لعدة أسباب، أولها: أن الفلوجة تقع في غرب البلاد بالقرب من الحدود مع سورية، وبالتالي انفلات السيطرة الأمنية على تلك المنطقة بسبب الجماعات الإرهابية. أما السبب الآخر، فيرجع إلى الفساد المستشري ليس فقط في القطاع المدني، بل إنه متغلغل في القطاع الأمني العراقي أيضا -على حد قول الكاتب- مضيفا أنه "من اليسير إعطاء رشوة لبعض الأفراد للحصول على معلومات، أو السماح بتفجير أماكن معينة".
واستطرد حديثه بأن "تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدل البطالة أسهما بشكل كبير في تصاعد أعمال العنف. فهناك 300 ألف شاب عراقي يبحثون عن وظائف كل عام، بينما 10 في المائة منهم هم الذين يجدون وظائف، وبالتالي كثير منهم ليس لديه مصدر دخل منتظم".
كما ناقش مشكلة الطائفية التي يعانيها سكان الفلوجة على عكس بقية الدولة العراقية، حيث يعانون التمييز، والاعتقالات، وأعمال التعذيب بسبب انتماءاتهم الدينية، ومعاملة أكثر صرامة عما يعانيه الجنوب. فعلى الرغم من اهتمامه بمستقبل العراق في بداية الغزو، فإنه سرعان ما أحبط بسبب التوترات المستمرة في البلاد. انطلاقا من خلفية الكاتب القانونية، فقد طرح عدة تساؤلات: لماذا تتزايد الاتجاهات السلبية نحو مستقبل البلاد؟ ولماذا من المرجح أن تستمر؟ وأرجع ذلك إلى عدم وجود قوانين صارمة يلتزم بها الشعب والساسة العراقيون، ويعني بالقوانين هنا الدستور والإطار القانوني. فعلى الرغم من وجود دستور بالفعل، فإن طريقة صياغته جعلت من المستحيل تطبيقه. وأوضح أن طريقة صياغة الدستور أدت إلى الانقسام بين شرائح واسعة بين المواطنين، بدلا من الحصول على إجماع الآراء، والاعتماد على الكفاءة والمهنية لدى النخب السياسية العراقية.
ذكر الكاتب أن معظم كبار المسؤولين في العراق أمضوا حياتهم في المنفى، وليس لديهم أي مهارات تؤهلهم لتولي مناصب لإدارة البلاد، كما أنهم متورطون في قضايا فساد، ولا يعملون لمصلحة البلاد. وبدلا من أن يلجأوا إلى الشعب للتغلب على إخفاقاتهم في إدارة البلاد، عملوا على تأجيج النزعة الطائفية للدفاع عن سياساتهم، ودرء أي انتقادات توجه لهم. ويرى العلى أن فشل السياسيين العراقيين، والنظام السياسي القائم في معالجة الأوضاع السياسية، زاد من حدة الانقسامات بين السنة والشيعة والأكراد، وتنامت حدة الخلاف بينهم مقارنة بما قبل عام2003 ما أدى إلى حدوث خلل في أداء وظائف الدولة، فأصبحت هناك أزمة في النظام القانوني، وزادت انتهاكات حقوق الإنسان، كما تدهورت الأوضاع البيئية بصورة أكثر مما كانت عليه في عهد صدام حسين بسبب مشاريعه المدمرة، مثلما أوضح.
وقد استدل العلي على عدم وجود مسؤولين ذوي كفاءة في الحكومة، بنموذج نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، الذي عاش أغلب حياته في الخارج، منها 20 عاما في سورية وإيران، ولم يحقق أي إنجازات تؤهله لتولي هذا المنصب، فضلا عن أنه ليس على دراية كاملة بأوضاع المجتمع العراقي، وتسبب في إثارة بعض الصراعات الطائفية أخيرا بسبب انحيازه إلى الطائفة الشيعية -التي ينتمي إليها - وتهميشه السنة وحقوقهم. عرض الكاتب مقارنة بين العراق قبل وبعد نظام صدام حسين، موضحا أن العراق في عهد صدام كان يعاني القبضة الأمنية الصارمة، فلم تكن هناك نهائيا حرية رأي. وفي هذا السياق، سرد معاناته مع أسرته في المنفي، وصعوبة تلك الحياة التي فرضها عليهم نظام صدام حسين. أما بعد رحيل نظام صدام، فيرى أن حرية الرأي أصبحت متاحة للجميع، ولكن تدهورت الأوضاع الأمنية بشكل كبير، ما يجعل المقارنة بين الفترتين صعبة للغاية، مشيرا إلى أن الحكم على هاتين الفترتين يتوقف على منظور كل شخص، وتفسيره للسياسات المتبعة في تلك الفترة. يرى العلي أن سوء تخطيط الاحتلال الأمريكي دمر الدولة العراقية، وأتاح الفرصة للنخبة الفاسدة لتولي أمور البلاد، موضحا أنه على الرغم من الجهود المبذولة لتفريق العراقيين، فإنهم لا يزال لديهم شعور قوي بالهوية الوطنية.
ويختتم العلي كتابه بنظرة تفاؤلية بأن العراق يحتاج إلى وقت طويل حتى يتخلص من عقود حكم الديكتاتورية، وأن أسس الثقافة الديمقراطية موجودة بالفعل في العراق، مشددا على ضرورة تغلب الساسة على الطائفية في البلاد، وتقديم برامج إصلاح حقيقية تدفع مستقبل البلاد نحو التقدم، موضحا أن تلك الجهود جارية بالفعل، لكنها ستستغرق عدة سنوات لتنفيذها.