الأسد عراب «داعش» وحليف إيران يخدع أمريكا .. مجددا
خلال العقد الماضي، خدع نظام بشار الأسد واشنطن وجعلها تعتقد أنه سيعمد إلى تطبيق إصلاحات، إلا أنه لم يفعل ذلك. وقد أدى غياب الإصلاحات المؤسساتية والاقتصادية إلى اندلاع الثورة والحرب الأهلية في سورية.
ووفقا لتقرير مطول نشره معهد واشنطن للدراسات من إعداد الباحثان هارون زيلين وعُلا عبد الحميد، حول نظام الأسد وعلاقته بإيران ومدى تأثير ذلك في المفاوضات النووية التي تسعى لها واشنطن، فإنه من المشين، بحسب التقرير، أن يعمد الأسد اليوم إلى خداع واشنطن للمرة الثانية، معتبراً أنه أهون الشرين مقارنة بتنظيم داعش، وهو ادعاء كان له تأثير في وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، الذي يدعو حالياً إلى عقد مفاوضات مع النظام. وفي الواقع، أن نظام الأسد يوازي "داعش" شراً. وبالتالي، إذا وقعت واشنطن مجدداً في فخ الأسد وخداعاته، فأي عواقب ستترتب عن ذلك؟
تعاظمت الأمور الموجودة على المحك حالياً مقارنة بالعقد الماضي وأصبح الوضع الأمني أكثر هشاشة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا قد يرغب أي طرف في وضع ثقته في نظام لم يخذل شعبه فحسب، بل خدع قادة الغرب بشكل سافر ليس مرة واحدة، بل مرتين؟
كما لم تشكل "إصلاحات" الأسد، بحسب التقرير، سوى غطاء هشاً لتفاقم الفساد، إذ لم تكن لدى الأسد نية فعلية لتحسين الظروف الاقتصادية أو ظروف المعيشة. فلم يقتصر الخداع على الأسرة الدولية فحسب، بل انطلى ذلك أيضاً على الكثير من السوريين الذين صدّقوا أكاذيب الأسد. ولكن "طبيب العيون" لم يتمتع بأي بعد نظر إذ نزل المتظاهرون إلى شوارع دمشق في شباط (فبراير) عام 2011، هاتفين: "لن نقبل بإذلال الشعب السوري". لقد كان 40 في المائة من السوريين يعيشون دون خط الفقر، وأكثر من 25 في المائة من الشباب يعانون البطالة. وبالتالي، كان العديد من السوريين يهاجرون إلى الدول المجاورة بحثاً عن العمل وعن حياة أفضل.
ووفقاً لـ "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي"، هناك مليونا سوري لم يستطيعوا تأمين حاجاتهم الأساسية بين عامي 2003 و2004. ويعتمد 56 في المائة من سكان الريف في سورية على الزراعة لكسب رزقهم وضمان معيشتهم، ولكن في عام 2004، جُرّد أكثر من 77 في المائة منهم من أراضيهم. وقد تدهور الوضع حالياً بشكل ملحوظ، على الرغم من حملة الاستفتاء المعنونة "سوا" التي قام بها الأسد في حزيران (يونيو) 2014 بهدف "تحسين" الاقتصاد في سورية. وفي الواقع، بلغ معدل الفقر الإجمالي حالياً في البلاد 80 في المائة.
لقد تم تشييد مراكز تسوق وفنادق شاهقة في دمشق بقصد خداع السياح والصحفيين والمشاهير، وسفراء النوايا الحسنة. وحتى النخب والأسر من الطبقة العليا وجدوا التسوق في تلك المراكز باهظاً للغاية. وقد سُحقت الطبقة المتوسطة خلال "حقبة الإصلاحات" التي أطلقها الأسد، بينما أخذت الهوة بين الأثرياء والفقراء تتسع أكثر فأكثر. وفي المقابل، تمكنت عائلات النظام وحلفاؤه من كسب المليارات. وقد أفضت حقبة الإصلاحات الوهمية إلى نزوح جماعي للسكان إلى المدن، وازداد الأمر حدة خلال الجفاف الذي شهدته البلاد خلال العقد الماضي.
وفي ظل بروز تنظيم داعش ووحشيته الفاضحة، توقفت الولايات المتحدة عن المناداة بإطاحة الأسد وأصبحت اليوم تعمل مع الأسد على "هزيمة" "داعش"، الأمر الذي يشكل قمة التضليل. فمنذ اندلاع الثورة، صوّر النظام المتظاهرين اللاعنفيين على أنهم إرهابيون، رغم أنهم لم يكونوا كذلك. وكان لا بد للأسد من خلق بيئة حاضنة، من شأنها أن تؤدي إلى صعود المزيد من المتطرفين من أجل تبرير ادعاءاته و"إثبات" أن الخيار ينحسر في النهاية بينه وبين "الإرهابيين". وكان الأسد عراب تنظيم داعش ومتطرفين آخرين. وقد صدقت توقعات النظام بأن واشنطن ستسقط في المكيدة التي نصبها لها.
ويُعد النظام أحد الأسباب الرئيسية لتنامي المتطرفين في مرحلة ما بعد الثورة. فصحيح أن هناك عناصر من بين الثوار الرئيسيين لم تردع تصاعد الراديكاليين، ويعود ذلك جزئياً إلى القيادة التي تفتقر لبعد النظر والاستقطاب الإسلامي المشترك، إلا أن الأسد هو من أعاد أعدادا كبيرة من المتطرفين إلى أرض المعركة، بعد أن أطلق سراح العديد من العناصر المتطرفة من سجن صيدنايا في منتصف عام 2011.
لقد اتُهم 90 في المائة من هؤلاء السجناء بالمحاربة سابقاً في العراق، وشكل قادة بارزون من "جبهة النصرة" و"أنصار الشام" و"جيش الإسلام" جزءاً من هذا "العفو". واعتُبرت أفعالهم اللاحقة النتيجة المنطقية لعملية تبني التطرف الذي حدث خلال العقد السابق، نتيجة لطريقة تعامل النظام مع السجناء. فإضافة إلى التعذيب الجسدي الموثق إلى حد كبير، أساء النظام معاملة السجناء ذهنياً ونفسياً من خلال حرق القرآن والتبول والدوس عليه، إضافة إلى ذلك، كان السجن يقع في مدينة مسيحية اشتُهرت باحتفالاتها الدينية وحفلاتها الواسعة النطاق. وقد أوجدت هذه الإجراءات المنسقة بدقة الأرضية الممهِدة لاحتضان التطرف.
وهذا النوع من التلاعب ليس وليد اللحظة، فقد ساهم النظام في تسهيل أمور وتدريب أعضاء من تنظيم "القاعدة في العراق" خلال العقد الماضي، إضافة إلى تمكين مجموعة "فتح الإسلام" في لبنان. وبالتالي، فبعد إطلاق سراح هؤلاء المتطرفين في عام 2011، انصب تركيز جيش الأسد بشكل أساسي على محاربة الثوار المركزيين بينما اكتفى باستهداف المتطرفين من حين إلى آخر، وذلك لأن النظام كان يعلم أن المتطرفين سيجابهون الثوار أيضاً، وبذلك يساعدون النظام بطريقة غير مباشرة. وعاد هذا الواقع بمنفعة مشتركة على الطرفين، حتى لو لم يكن هناك تنسيق بينهما. ولهذا السبب، أصبح بإمكان نظام الأسد أن يدّعي الآن أنه يحارب الإرهابيين حيث إن مجموعة المعتدلين قد انحسرت بفعل انقضاض النظام والمتطرفين عليها.
وقد خرجت هذه السياسة عن سيطرة النظام بشكل فاق توقعاته، من خلال استحكام المتطرفين سيطرتهم على ثلاث محافظات ("جبهة النصرة" في إدلب و"داعش" في الرقة ودير الزور). وحتى مع مساندة "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني وحزب الله وغيرهما، لا يستطيع الأسد صد هذه الجماعات نظراً لضعف قدراته، ما يدل على عدم قدرة النظام على بسط سيادته الفعلية على سورية. وهذا ناهيك عن الإشارة إلى سيطرة الثوار الرئيسيين أيضاً على أجزاء من شمال البلاد وجنوبها، والضربات الجوية التي تشنها إسرائيل ضد "حزب الله"، وتلك التي يشنها التحالف ضد "جبهة النصرة" وتنظيم داعش، وقيام تركيا بإرسال دبابات إلى سورية لحماية قبر سليمان شاه.
وتعاظم نفوذ المتطرفين إثر قربهم أكثر من مواقع النظام، ما يدل على أنهم ليسوا مجرد مسألة هامشية. فقد نال تنظيم داعش مبايعة كتيبة "رجال الحق في وادي بردى في محافظة ريف دمشق، واستولى على مدينة الحجر الأسود التي تبعد خمس عشرة دقيقة عن وسط دمشق. إضافة إلى ذلك، شن تنظيم جبهة النصرة هجوماً انتحارياً على حافلة كانت تقلّ على ما يبدو حجاجا شيعة خارج قلعة دمشق. كما قصفت مجموعة أخرى تُعرف بجيش الإسلام قلب دمشق. وبالتالي، إذا عجز النظام عن المحافظة على السلام في معقله، فكيف يمكن للمرء أن يتوقع منه أن يقوم بذلك في بقية أرجاء البلاد؟
وعلى الرغم من المساعدة التي تقدمها القوى الخارجية، ما زال الأسد يفقد مواقع إضافية، وأصبح نظامه يعتمد على إيران وحزب الله أكثر من أي وقت مضى. وقد أصدر "المجلس الاستشاري الثوري" بياناً قال فيه إن إيران تحتل سورية. ويوضح ذلك أن إيران قادرة على الهيمنة على دولة عربية أخرى وتحسين مكانتها بغية تحدي خصومها في الخليج. وقد بدأت إيران بالفعل إحكام قبضتها على العراق وزيادة وكلائها في البحرين، واكتساب علاقات أوثق مع الحوثيين في اليمن، ما سيدفعها على الأرجح إلى اتباع سياسات أكثر جرأة، والتي من شأنها مناهضة المصالح الأمريكية وتشجيع المزيد من المتطرفين.
ولم تتسبب إيران وشبكات وكلائها الشيعة في سورية بإلحاق السكان المحليين بركب التطرف فحسب، بل هي السبب الرئيسي وراء بدء ظاهرة قدوم أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب السنّة إلى سورية. وقد دفع ذلك بالكثير من المعتدلين إلى أحضان المتطرفين. وكما تبين في ربيع عام 2013 حين أعلن حزب الله عن وجوده في سورية، يرجح أن يفضل السنّة الوقوف إلى جانب المتطرفين من الانحياز لصالح الأسد، ولا سيما أنهم يشعرون اليوم بتضاؤل خياراتهم. وبما أن السنّة يرون أن واشنطن تقف إلى جانب النظام وإيران، فما الذي سيخسرونه في دعمهم للمتطرفين؟ فضلاً عن ذلك، لا تشكل خطة "وقف إطلاق النار" للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دومينجو دي مستورا سوى استسلاماً، كونها تعيد إلى النظام مناطق كانت تحت سيطرة الثوار لكي يستطيع الأسد أن يمعن في ذبح شعبه، بعد أن أوضح عن نيته بمواصلة "محاربة الإرهاب". إن الانضمام إلى الأسد وإيران لن يفاقم المشاكل الأساسية فحسب، بل سيجعل الأمور أكثر صعوبة أيضاً لحل النزاع، وسيقوي جماعات مثل تنظيم داعش وجبهة النصرة، إذ إن الأسد ليس بالحل السحري!
وعلى الصعيد المعنوي، لا تقل جرائم النظام سوءاً عن جرائم الجهاديين، ولكن الفرق يكمن في عدم التفاخر بها عبر أشرطة الفيديو أو الصور كما يفعل تنظيم داعش. ومع ذلك، يتعمد النظام على تسريب أشرطة فيديو تظهر عمليات التعذيب وذلك لزرع الخوف لدى السكان المحليين. وهناك أدلة وافرة تتعلق بالجرائم التي ارتكبها الأسد بحق الإنسانية منذ عام 2011. فقد كانت توجَّه أوامر للقناصين المتمركزين على أسطح المنازل لكي يصيبوا الأطفال في أعينهم ورؤوسهم. وقد اندلعت التظاهرات في درعا إثر اعتقال خمسة عشر ولداً صغيراً وتعذيبهم على خلفية تدوينهم شعارات عن الحرية مستوحاة من أحداث مصر على جدران مدرستهم. وكان عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا وابن خالة الأسد، يتلذذ بسماع صراخ الأطفال وهم يتعرضون للتعذيب خلال توقيفهم، إذ كانت تُسحب أظافرهم وتُحرق أجسادهم ووجوههم بالسجائر.
ووفقاً لـ "لجان التنسيق المحلية"، بحلول عام 2011، قُتل أكثر من سبعين طفلاً في تظاهرات وتحت وطأة التعذيب. وفي 25 أيار (مايو) 2011، أرسلت جثة حمزة الخطيب، وهو فتى من درعا كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، إلى عائلته بعد أن تعرض للتعذيب حتى الموت بواسطة أجهزة الصدمات الكهربائية، إذ قُطعت أعضاؤه التناسلية وكسرت عظامه ورقبته وأُحرق جسده بالسجائر. كذلك، عثر على جثة إبراهيم قاشوش، وهو شاعر من حماة سَخِر من الأسد وحزب البعث في أغنياته وقاد تظاهرات ضخمة، في تموز (يوليو) 2011 في نهر العاصي وأوتاره الصوتية منزوعة. وفي أيلول (سبتمبر) 2011، قُتل غياث مطر، رمز المقاومة السلمية الذي قاد حملة تقديم ورود إلى الجنود في مدينته داريا، على يد القوى الأمنية وأرسلت جثته أيضاً إلى عائلته وقد بدت عليها آثار تعذيب بالغة.
وقد سرّب منشق سوري ملقب بـ "قيصر" صوراً لا تشكل سوى عيّنة صغيرة عما يجري داخل سجون الأسد ومعسكرات التعذيب التابعة له. وقال قيصر خلال الإدلاء بشهادته أمام الكونجرس الأمريكي في تموز (يوليو) الماضي إن أكثر من 150 ألف مدني معتقلون في سجون الأسد، كما يواصل هذا الأخير خنق شعبه بالغاز حتى بعد الهجوم الكيميائي الكبير على الغوطة في آب (أغسطس) 2013، الذي أدى إلى مقتل نحو 1800 مدني وإصابة 3600 آخرين. ومنذ ذلك الحين جرى التبليغ عن نحو 25 إلى 30 هجوماً كيميائياً.
لقد تم عن حق إيلاء الكثير من الاهتمام بمحنة الصحافيين والعاملين في المجال الإنساني من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وإعدامهم من قبل تنظيم داعش، ولكن لم تُعطَ الأهمية ذاتها للاختطاف المزعوم للصحافي الأمريكي أوستن تايس من قبل النظام، والمقتل المزعوم للصحافية الأمريكية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك في حمص، وتعذيب الطبيب العامل في المجال الإنساني عباس خان حتى الموت. ويُظهر ذلك أن النظام يوازي "داعش" بشراسته، على الرغم من أنه لا يتفاخر علناً بجرائمه.
وثمة اعتبارات جيوستراتيجية قد تلحق ضرراً بالولايات المتحدة إذا وافقت على أهداف إيران في سورية ووقعت في فخها. فالانضمام إلى صف إيران لمحاربة تنظيم داعش لن يؤدي إلى تقارب واعد بين الدولتين، إذ إن لدى القيادة الإيرانية أهدافا قائمة على الهيمنة والإمبريالية بهدف تصدير أيديولوجيتها الثورية. ولن يناقض ذلك مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة فحسب، بل سيولّد أيضاً على الأرجح واقعاً شبيهاً بالحرب الباردة بين إيران والولايات المتحدة، وخاصة إذا امتلكت إيران أسلحة نووية.
ويصل التقرير في ختام استعراضه وتحليله إلى نتيجة مفادها أن الوقوف صفاً واحداً مع إيران قد يؤدي أيضاً إلى تعزيز نفوذ المتطرفين. فمنذ أربعة عشر عاماً في 11 أيلول (سبتمبر) كان عدد أعضاء تنظيم "القاعدة" لا يتجاوز المائتي عضو، أما اليوم، فقد وصلت أعداد المتطرفين في العالم إلى مئات الآلاف في جميع أنحاء العالم. وانطلاقاً من الاعتقاد السائد بأن حرباً دينية إقليمية تلوح في الأفق، فالأسئلة التي تطرح نفسها هي: كم سيبلغ عدد الجهاديين السنّة بعد أربعة عشر عاماً؟ وكم سيبلغ عدد الجهاديين الشيعة في ذلك الحين أيضاً؟ وأي وضع أمني سينتج عن ذلك ليس فقط في العالم العربي، الذي ما زال يعاني مشاكل اقتصادية، وديموغرافية، وقضايا حكم كبرى، ولكن أيضاً في الغرب؟ وتعتبر هذه أسوأ السيناريوهات، مع أنها لن تكون مفاجِئة إذا وقعت الولايات المتحدة مجدداً في مصيدة الأسد. على الولايات المتحدة ألا تدخل في لعبة التحيزات، فسجلها الذي يحمل العديد من الخدع التي قام بها نظام الأسد خلال العقد الأخير لا يدعو إلى التفاؤل. فالأسد لا يمثل الحل. لذا، فلتفكر الولايات المتحدة مرتين قبل أن تُخدع مرتين!