كلمة الملك .. نبراس للمستقبل
استمعت مع كثيرين لكلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الوافية والشاملة. أتت الكلمة كخريطة طريق للمستقبل لتوجهات المملكة لكل ما يهم المواطن وكل مهتم بالمملكة أيا كان موقفه تجاه بلادنا. أتت الكلمة من ترتيبها لتذكير الجميع بالأسس التي تقوم عليها البلاد والربط بين الماضي المشرف والحاضر الزاهر والمستقبل الواعد. ثانيا، تضمنت الخطوط العريضة لدور الحكومة تنمويا واقتصاديا. وثالثا، رسمت معالم علاقة المملكة بالخارج القريب والبعيد، وأخيرا موقف المملكة من آفة الإرهاب. أتت الكلمة قصيرة ولكنها عميقة ورسالة واضحة لمدى الحاجة للتكاتف والتعاون بين الحكومة والمواطن. تنجح الدول بسبب التكاتف الذي يتطلب صبرا، وتفشل بسبب فقدانه، ولكن العربي لا يصبر، فالصبر والتعاون أيضا يتطلبان كسر حاجز الزمن مثلما ذكر الملك نحن جزء من العالم، العالم يسير بسرعة ولابد من مجاراته.
ذكّرنا الملك بالحاجة إلى بعضنا بعضا حين قال: علينا مسؤولية جميعا والكل متساو في الحقوق والواجبات، وذكّر بدور الجهات الرقابية. لن يختلف أحد مع الأهداف السامية والروح الطيبة إلا شامت أو ساخط أو جاهل. ما قد يختلف البعض حوله يخرج عن الخطوط العريضة للسياسة العامة التي تعاملت معها الكلمة. فالكلمة، وكما هو متوقع، لا تتحدث عن الوسائل أو التفاصيل المنهجية أو الآليات في المراحل المختلفة، فهذه لمستويات أخرى من سلم القرار ومسؤولية آخرين واستعدادهم لإعداد النماذج المناسبة بالشجاعة التي تتناسب مع الكلمة. المملكة في وضع سياسي اجتماعي ومالي مريح لذلك فإن طبيعة التحدي فني اقتصادي وهذا غير معتاد في البيئة العربية عموما حتى على مستوى النخب أحيانا. نحن أمام وضع فريد ولم نحقق اختراقا لأسباب فكرية ـــ لم يستوعب المسؤول الفني "الوزير ومن معه" مدى الحاجة إلى تغيير الأنماط العملية لتكون على أسس اقتصادية تحاكي تصرفات البشر وتفاعله الحقيقي مع التوجهات السامية. أحد معالم التشويش فكريا يأتي من مدى الخلط بين النمو والتوسع "عمود الأسبوع القادم".
الواضح اليوم من ممارساتنا أن دولة الرفاه هدف وليست وسيلة للنجاح، بينما نسعى وكأنها وسيلة وبالتالي تصل رسالة للفعاليات الاقتصادية أيا كانت "وزارة أو شركة أو رجل أعمال أو طالب أو أستاذ جامعي أو مؤسسة رقابية" لاقتناص الفرصة المصلحية وغير الاقتصادية للمصلحة العامة إلى أن تصل للطالب بالحصول على أي شهادة، ثم نبدأ في لوم بعضنا بعضا في ابتعاد عما دعا إليه الملك سلمان. الخلط بين الوسيلة والهدف عيب هيكلي ولا يمكن أن تكون الحلول ناجعة دون التعامل معه بواقعية. يقول آينشتاين إن تعريف الجنون أن تكرر الطريقة نفسها أملا في حل مختلف. يعمل بعض المسؤولين عن الاقتصاد فنيا وكأن البعد المؤسساتي مجرد مصطلح علاقات عامة يوظف في الكلمات الرنانة دون تفعيل أي مؤسسة مثل المنافسة العميقة، والتوطين الحقيقي، والتخصيص الفعلي، ومركزية التخطيط وهيكلة الرسوم وخاصة في الأراضي، والدعم وتسهيل تناقل وحماية الحقوق، والعمل على نماذج جديدة للوزارة الخدمية مثل الصحة. هذه المؤسسات هي ماكينة الاقتصاد الحديث وليس الوزارات. قدّمت كلمة الملك تحذيرا للكل لدور أسعار النفط والظروف البيئية لهذه الصناعة المركزية.
تحقيق أهداف كلمة الملك يتطلب اختراقا مؤسساتيا. المؤسسة الفاعلة هي الرابط الوثيق بين الأهداف والمواطن الفاعل من خلال تحويل الوزارات إلى معامل تنفيذية. المؤسسة النشطة والفاعلة هي التي تخترق العلاقة بين الوزارات والهيئات الحكومية وتربط بين الحاكم والمحكوم في شفافية كما تضمنت كلمة الملك، فمثلا يصعب التعامل مع الإسكان دون رسم على الأراضي. عمل الأجهزة الحكومية دون تفعيل مؤسساتي سيزيد صعوبة وتعقيدا.
كلمة الملك نبراس للمستقبل وصريحة في توضيح معالم الطريق وترسم لعلاقة صحية بين الجميع. يبقى عمل الآخرين وبصراحة أكثر من حاجة إلى التواصل بين المسؤولين المباشرين مع بعضهم بعضا. لدينا القيادة والقدرات والمقدرات ولكن ما زال هناك نقص في التفكير الجمعي المؤسساتي الذي يرتقي لكلمة الملك وطموحه لبلدنا.