«انتقام الجغرافيا» ..‬ ماذا تخبرنا الخرائط عن الصراعات القادمة؟

«انتقام الجغرافيا» ..‬ ماذا تخبرنا الخرائط عن الصراعات القادمة؟
«انتقام الجغرافيا» ..‬ ماذا تخبرنا الخرائط عن الصراعات القادمة؟
«انتقام الجغرافيا» ..‬ ماذا تخبرنا الخرائط عن الصراعات القادمة؟

لطالما كانت الرؤى السياسية لكثير من المحللين تتجاهل تأثير البعد الجغرافي في الصراعات المتلاحقة في العالم، إلا أن هذا الكتاب المترجم أخيرا، والصادر عن عالم المعرفة بعنوان "انتقام الجغرافيا .. ما الذي تُخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة"، للصحافي الأمريكي روبرت دفيد كابلان. لا يهمل هذا البعد ويؤصل له نظريا وعمليا بكثير من الاستشهادات التاريخية والرؤى المستقبلية.

يصف الكاتب والباحث السياسي عزت إبراهيم هذا الكتاب بالرحلة الممتعة في العلاقة بين السياسة والجغرافيا وكيف تؤثر الخريطة في ملامح الصراعات في المستقبل‏، رغم كل الترابط الحالي بين قارات العالم بفعل التقدم التكنولوجي السريع‏.

يقوم بهذه الرحلة المفكر الأمريكي المعروف روبرت كابلان وينطلق من فرضية تقول إن "من ينسى الجغرافيا في حسابات القوة العالمية لا يمكنه أبدا أن يهزمها".

العنوان صادم للكثيرين انتقام الجغرافيا .. ما الذي تخبرنا به الخريطة عن الصراعات القادمة والمعركة ضد المصير، حيث يبدأ كل فصل بقراءة ملامح من الأراضي مثل عراف يقرأ تضاريس الجبال والأنهار والسهول وكيف تحدد مصير الشعوب، حيث الجغرافيا هي خلفية لا غنى عنه للدراما الإنسانية تؤثر في الأفكار والإرادة والفرص الممكنة.

#2#

يستعرض كابلان، زميل بارز في مركز الأمن الأمريكي الجديد، آراء المفكرين في القرنين الـ19 والـ20 في وقت مبكر مثل هالفورد ماكيندر، الذي في عام 1904 قال إن محورية الجغرافيا في التاريخ وجادل بأن السيطرة على أوراسيا تحدد مصير الإمبراطوريات.

وبالمثل، الاستراتيجيون المعاصرون مثل ألفريد ثاير ماهان ونيكولاس سبايكمان فقد فضلا القوة البحرية على القوة البرية، لكنهما لا يزالان يصفان تاريخ العالم من حيث الصدام الأبدي بين سبارتا مقابل أثينا في اليونان القديمة وبين البندقية عاصمة التجارة القديمة مقابل بروسيا( ألمانيا اليوم) وإن كان سبايكمان ينحاز إلى نظرية هارتلاند ماكيندر بالتركيز على المكانة الأهم لموقع أوراسيا أو أوروبا - آسيا والمحيط الهندي -المحيط الهادئ Rimlands.

وينتهي كابلان إلى أن معظم ما اقترحه هؤلاء الكتاب يبدو غير صحيح سياسيا بعد أن تجاوزها الزمن، فقد كانت تصلح لصراعات الماضي.

يقدم كابلان تحليله الجيو - سياسي أي الرابط بين علاقة الجغرافيا والسياسة لعدد من مناطق العالم وهو يري، على سبيل المثال، أن هناك أمثلة تهزم الحكمة التقليدية في أهمية مناطق على حساب مناطق أخرى، فمنطقة البحر الأبيض المتوسط يري أنها سوف تعود مرة أخرى لتصبح رابطا بين جنوب أوروبا وشمال إفريقيا كما فعلت في العالم القديم، بدلا من الاستمرار في أن تكون الخط الفاصل بين القوي الاستعمارية السابقة ومستعمراتها السابقة بفعل وجود احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي والنفط تحت شمال وشرق البحر الأبيض المتوسط في قاع البحر.

#3#

كما يري أن حجم السكان والاقتصاديات الهائلة للاتحاد الأوروبي، على الرغم من التوقعات القاتمة في كلتا الحالتين، سوف تبقيه واحدا من المحاور الرئيسة الكبرى في العالم وإن التحول من بروكسل إلى برلين كمركز للثقل، بالنسبة للسياسة الأوروبية، سيكون لها آثار عالمية.

ويتحرك كابلان إلى الشرق، ويحكم على صعود روسيا تحت قيادة القياصرة الجدد الحكم على روسيا بشكل سلبي، فيقول إن فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف لا يملكان أي أفكار للنهضة ولا أيديولوجية وإن الواقع يشير إلى أنهما يمتلكان عاملا واحدا في مصلحتهما هو الجغرافيا فقط وهذا لا يكفي وإن تلك الجغرافيا نفسها هي مصدر علاقة متوترة بشكل دائم بين روسيا والصين حتى في ظل التزام مشترك للحكومتين الاستبداديتين وأمور خاصة ببسط السيادة يدفع النظامين السياسيين إلى التعاون معا.

عن وضعية العالم العربي المعاصر، خاصة بعد انتفاضات الديمقراطية، يرجع كابلان إلى ما كتبه المفكر الفرنسي الشهير فرناند بروديل من أن الحدود الحقيقية لأوروبا ليست هي البحر الأبيض المتوسط ولكن الحدود الجنوبية الحقيقية هي الصحراء الكبرى، وأن شمال إفريقيا كان ينظر إليها تاريخيا من أكثر من آلاف السنين أنه يتم دمجها في أوروبا، ولكنها في العقود الأخيرة لم تكن كذلك.

نظرة كابلان للشرق الأوسط، بحسب إبراهيم، تستحق التوقف، فهو يرى في كتاباته العديدة عن المنطقة أن هناك حالة من التراجع للدولة المهيمنة .. والهرمية في القيادة تتداعى على شتى المستويات.

وفي المقابل، تزداد المساواة بروزا في السياسة الجغرافية.

فلم تعد الهيمنة الأمريكية قوية مثل السابق.

وفي دول مثل مصر، وسورية، وليبيا، والعراق، وتونس، وغيرها، لم تعد القوى الداخلية تخضع للنظام.

كذلك لم تعد دول، مثل تركيا وباكستان، تدعم الولايات المتحدة بالقدر الذي كانت عليه المساندة في الماضي وهو ما يزيد من ضعف الهيمنة الأمريكية، فيما بدأ الاتحاد الأوروبي يضعف أيضا كمبدأ تنظيمي سياسي، ودولة الحزب الواحد في الصين تتعرض لضغوط متزايدة.

ويقول كابلان إنه رغم ما سبق، لا يجب الخلط ما بين الفوضى والديمقراطية في الشرق الأوسط.

فالديمقراطية نظام هرمي غير متساو، على حد تعبيره، مع أنه يحدد من خلال أصوات الناخبين.

وما نراه في الشرق الأوسط لا يمكن أن يكون ديمقراطية لأنه لا يحتوي على أي تراتب هرمي جديد ناضج بما فيه الكفاية وما نراه بالفعل في دول كثيرة من الشرق الأوسط ما هو إلا تراجع السلطة المركزية مع غياب أي هرمية جديدة تحل محلها.

ويطلق كابلان تحذيرا من أنه ما لم تتمكن بعض القوى، مع أن الظروف الحالية غير مواتية، من إعادة إرساء الهرمية، سواء كانت الهيمنة الأمريكية التي تبسط سلطتها عالميا، منظمة دولية تنشط إقليميا، أو، مثلا، الجيش المصري يبسط سلطته داخليا، فعلينا توقع تداعيات سلبية من التقلبات وبالتالي المزيد من الفوضى بما يثير مزيدا من القلق، لأن الحضارة ترفض الفوضى، فالأوضاع تنهار من دون النظام ومن دون الهرمية التي يتحدث عنها.

ويجادل كابلان بأن العالم سيشهد وحدة عضوية في أوراسيا في مواجهة الوحدة العضوية بين الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية باعتبارها عملية توازن بين الكتلتين.

هذه الجولة الجغرافية في العالم تعتمد، في رأي عزت إبراهيم على مفهوم ساد في القرن الـ19 ما يعرف خريطة التمثيل المكاني للمجموعات البشرية، وهو لا يعني مجرد التمثيل للأقاليم المادية، ولكن هناك دورا للتضاريس الجغرافية، فهو يرى العالم كخريطة تحددها القمم الحادة والوديان الضيقة التي تحبس السكان والسهول المفتوحة والممرات المائية الواسعة التي تسمح لهم بالتحرك أو تمنعهم وتأكيده على المجموعات البشرية يؤدي مباشرة إلى تبنيه منهج الواقعية في السياسة الخارجية حيث يفترض كابلان أن البشرية هي في جوهرها منقسمة وليست متصلة، وتعزز نظرته الجيو - سياسية التي تعتمد على ثلاثية الخوف والمصلحة الذاتية والشرف باعتبارها دوافع الإنسان الأساسية.

من جهتها، تؤكد سمية المتولي المعيدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،‮ ‬جامعة القاهرة‬ أن السياسات المكانية ليست بالجديدة في نظريات العلاقات الدولية‮. ‬

فقد كانت الجغرافيا أحد مقدرات قوة الدولة داخليا وخارجيا، وهو ما جعل إمكانية بسط السيطرة والتوسع المكانيين على أقاليم الدول المتاخمة إحدى دلالات قوة الدولة، وإلا لما توسعت الإمبراطوريتان اليونانية والرومانية خارج حدودهما وربما خارج الإطار القاري لهما،‮ ‬والإمبراطورية العثمانية ليست استثناء عن القاعدة‮.‬

وإذا كان توسع الدولة وضمها أقاليم أخرى إحدى علامات قوتها، فإن فقدانها للأحيزة المكانية الخاضعة لسيطرتها دليل على ضعف هذه الدولة‮.

‬وليس أدل على ذلك من التفكك التدريجي لدول الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة‮. ‬

ولم تكن الفترة التالية على انتهاء الحرب الباردة سوى مرحلة من الافتراضات الجزافية والمسلمات المتتالية،‮ ‬تغلفها مسحة أكاديمية شديدة المراوغة في ألفاظها‮.

‬على سبيل المثال،‮ ‬رأى الكثيرون أن التدخل لأغراض إنسانية ما هو إلا ارتداد عن كل ما هو‮ "‬واقعي‮" ‬أو‮ "‬براجماتي‮" ‬للحد من الصراع الدولي،‮ ‬والحفاظ على استقرار النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك‮.‬

وبالمخالفة،‮ ‬كان من دواعي الفخر أن يعلن السياسي عن كونه ليبراليا دوليا ينادي بتوظيف الأداة العسكرية الأمريكية لوقف الإبادة الجماعية في البلقان أو يوغوسلافيا‮.‬

لقد اعتقد الغرب أن إفريقيا‮ - ‬أكثر قارات العالم تحملا لأعباء الحدود المصطنعة التي وضعها المستعمر الغربي،‮ ‬وأفقرها على الإطلاق ‮- ‬سوف تشهد ثورة ديمقراطية في كل بقاعها‮.

‬لا‮ ‬يزال هناك متسع من الوقت‮ - ‬في رأى الكاتب ‮- ‬أمام القارة السمراء لتستوعب مجريات الأحداث الحاصلة في الفترة الزمنية الممتدة منذ سقوط حائط برلين،‮ ‬وحتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر‮، ‬2011ودلالاتها‮.‬

‬ بعد استعراض‮ دورة الصراعات من منظور جغرافي يعيد للأذهان ما قدمه كل من ألفريد ماهان حول القوة البحرية، وماكيندر حول نظرية قلب العالم، ونيكولاس سبيكمان عن المناطق الداخلية التي تقع بين قلب العالم وهوامش القوة البحرية، يجدر التساؤل حول مناطق الصراع المستقبلية‮.

‬إن أمريكا الجنوبية هي القارة المنسية،‮ ‬التي يمكن أن تكون هي البقعة التالية للصراع‮.‬

الأكثر قراءة