تمكين «السُّنة» سياسيا وعسكريا هو الحل الدائم لدحر «داعش»
"بؤرة تجمع المتطرفين القادمين من جميع أنحاء العالم، والمحبطين والساخطين والمضطربين المنحرفين عن الاتّجاه السَّوي، والمقاتلين المحليين اليائسين الباحثين عن الأجر والمال، والانتهازيين الذين يسعون في الواقع إلى أهداف عقائدية وسياسية مختلفة ويتحالفون مع التنظيم بشكل مؤقت فقط". هكذا تصف، كريستين هيلبيرج، المختصة والباحثة الألمانية في شؤون التطرف التي عملت أيضا منذ عام 2001 وحتى عام 2009 كمراسلة صحافية حرة في دمشق، عناصر تنظيم داعش ومقاتليه كما تقدم هيلبيرج في تحليل سابق لموقع "قنطرة" خمس نقاط تمكن برأيها السياسة الأمريكية والأوروبية من استعادة مصداقيتها في الشرق الأوسط.
حيث تصف هيلبيرج السياسة الأمريكية والأوروبية الخارجية بالفاشلة إذ إنَّ مَنْ يرِد القضاء على إرهاب تنظيم داعش بشكل دائم، يجب عليه أن يفهم أولاً من أين يأتي هذا الإرهاب ولماذا تمكّن من الانتشار بهذه السرعة. من هذه الناحية يتحمّل الغرب، خاصة الولايات المتَّحدة الأمريكية، جزءًا كبيرًا من المسؤولية. فقد تركت الولايات المتّحدة الأمريكية خلفها سياستها الخارجية الفاشلة التي مارستها على مدى عقد من الزمن: فبعد سياسة التدخّل التي انتهجها جورج دبليو بوش وكانت تقودها المصالح الإمبريالية، اتّبع الأمريكيون سياسة عدم التدخّل المتشنّجة في عهد باراك أوباما - وأتت كلتاهما بعواقب وخيمة.
وتضيف، إنَّ ما نشاهده اليوم في العراق وسورية - من تفكّك هاتين الدولتين وإلغاء حدودهما الوطنية وحالة غياب القانون وانتشار الفوضى وظهور ميليشيات طغت في وحشيتها اللاإنسانية حتى على تنظيم القاعدة- أمرٌ له علاقة بحالة الجهل والارتباك، التي تعانيها هذه السياسة الخارجية الغربية في الشرق الأوسط. فبالعودة لأوضاع العراق- في عام 2003 توضح هيلبيرج أن الأمريكيون نقلوا الحرب إلى البلاد، حيث أسقطوا صدام حسين وقاموا بحلّ الجيش العراقي وحزب البعث، وحاولوا إحلال الأمن والنظام بالاعتماد على جنودهم. وكانت عواقب هذا العمل خطيرة، لأنَّهم قد جعلوا أنفسهم من خلال ذلك محتلين وأوجدوا في الوقت نفسه أعداءً لهم. نتيجة ذلك خسر فجأة مئات الآلاف من العراقيين - من الجنود والكوادر القيادية والمسؤولين السابقين - كلّ شيء ووجدوا في مقاومة القوَّات الأمريكية مجال عمل جديدا.
وبحسب هيلبيرج، فإن سلبية الغرب تجاه الوضع في سورية أتى بعواقب وخيمة إذ إنَّ كلاً من الولايات المتَّحدة الأمريكية وأوروبا تنكران قيمهما الخاصة، وذلك من خلال وقوفهما مكتوفتي الأيدي إلى حدّ بعيد ومراقبتهما النظام السوري وهو يقصف المدنيين بالقنابل ويقتلهم بالغازات ويعذّبهم ويجوّعهم حتى الموت - من دون قيامهما بفعل أي شيء من أجل حماية هؤلاء المدنيين. وبدلاً من العمل في الوقت المناسب من أجل جعل الجيش السوري الحر الذي أسّسه المنشقّون بديلاً عن الجيش السوري، أو على الأقل الاستمرار في تسليح المتمرّدين المعتدلين (أي الذين يؤيّدون تعايش جميع الطوائف والمجموعات العرقية)، ترك الغرب تقديم هذا الدعم.
وبذلك، تضيف هيلبيرج، ساهمت الولايات المتَّحدة الأمريكية وحلفاؤها مرتين في صعود تنظيم داعش. فقد أوجدوا في العراق الأرضية لوجود الإرهابيين وتركوا لهم في سورية فراغ السلطة. وبما أنَّهم بدأوا حربًا -أي الحرب في العراق - ولم يساعدوا في إنهاء الحرب الأخرى - أي حرب الإبادة التي يخوضها نظام الأسد ضدّ السوريين - فهم يتحمّلون مسؤولية كبيرة عن معاناة الناس في المنطقة. ولهذا السبب بالذات يجب على الغرب الآن العمل. لكن مع ذلك لا بد من توخي الحذر، لأنَّ الوضع معقّد ولا يجوز تكرار الأخطاء نفسها مرة أخرى.
كما وضعت الباحثة الألمانية خمس نقاط من الممكن الاستفادة منها في البحث عن طريق وسط بين سياسة الإمبريالية والجهل بهذه التنظيمات، مع تأكيدها بأن هذه النقاط الخمس مستخلصة من التطوّرات التي شهدتها الأعوام الأخيرة:
أولاً، يجب ألاّ تكون محاربة تنظيم داعش من أجل تحقيق أهداف سياسية أو مصالح اقتصادية، ولا حتى من أجل "قيمنا"، بل فقط من أجل الحماية، من أجل إنقاذ المدنيين ومن أجل بقائهم فقط. وفي هذا الصدد يعتبر مبدأ "مسؤولية الحماية" المنصوص عليه في القانون الدولي هو المبرّر الوحيد للتدخّل العسكري. أليست الأسلحة الموجودة في المنطقة كافية؟ أجل، هذا صحيح، فالأسد وتنظيم داعش لديهما كلّ ما يحتاجان إليه. ولكن أحيانًا تنفذ الذخيرة فقط لدى قوّات البشمركة والجيش السوري الحر - وهذا من سوء حظّ جميع الأشخاص المعتمدين على حمايتهم.
ثانيًا، يجب على الغرب أن يحدّ من نشاطاته العسكرية بقدر الإمكان. وهذا يعني تقديم المساعدة للناس هناك من أجل تمكينهم من مساعدة أنفسهم. وكذلك يجب دعم جميع المجموعات المسلحة غير الحكومية التي تواجه "داعش" بصرف النظر عما إذا كانت في العراق أو في سورية. وبما أنَّ تنظيم داعش يقيم خلافته عبر الحدود، فيجب علينا أن نتوقّف عن التفكير ضمن مفاهيم الدولة القومية، أم هل نريد مثلاً إنقاذ الإيزيديين في العراق من خلال إيصالهم "بأمان" إلى سورية، لنتركهم هناك للإرهابيين؟
إنَّ الأطراف التي تحارب تنظيم داعش هي البشمركة في شمال العراق ومقاتلو حزب الاتّحاد الديمقراطي الكردي في شمال شرق سورية، وفي جنوب سورية الجيش السوري الحر. كما أنَّهم هم الذين يحمون المدنيين هناك على الأرض، ولذلك فهم حلفاؤنا. يجب علينا أن نتعامل معهم بمرونة ومن دون بيروقراطية، حتى وإن كانوا لا يمثّلون دولاً.
ثالثًا، لا أحد يستطيع القضاء بشكل دائم على تنظيم داعش سوى أبناء المنطقة السُّنة، لأنَّهم الوحيدون القادرون على سحب البساط من تحت الإرهابيين وتقويض عقيدتهم، وذلك من خلال كسبهم الإسلاميين المعتدلين وعلماء الدين المعترف بهم من أجل محاربة تنظيم داعش، وبالتالي كسب جميع الأشخاص المتحالفين مع هذا التنظيم الإرهابي لأسباب تتعلق بالسلطة السياسية المؤقّتة. يجب تعزيز دور السّنة على المستوى السياسي ومشاركتهم في المسؤولية وعدم وضعهم تحت اشتباه عام. رابعًا: يجب ألاَّ تقتصر المساعدة على الأكراد، ويجب ألاَّ تركّز فقط على الأقليات الدينية. إذ إنَّ ضحايا العنف الرئيسيين في المنطقة ليسوا من المسيحيين وحدهم بل من المسلمين أيضا. وتعتبر شحنات الأسلحة المقدّمة إلى البشمركة في شمال العراق صحيحة ومهمة، ولكن يجب على الغرب عدم تأجيج الخلاف بين الأكراد والعرب أكثر. حيث باتت تزداد الآن الريبة والكراهية بين أبناء المجموعتين العرقيتين وصار هناك خطر يهدّد بحدوث تفكّك عرقي في كلّ من العراق وسورية.
وحتى وإن كان قيام دولة كردية مستقلة أمرًا طبيعيًا أو مرغوبًا فيه على المدى الطويل، فإنَّ من واجب الجميع التعاون معا في مواجهة تنظيم داعش: يجب على العرب والأكراد والسُّنة والشيعة والمسيحيين والإيزيديين والعلويين والدروز والإسماعيليين تكوين جبهة مُوحدّة لمواجهة الإرهاب.
خامسًا، يجب على الغرب أن يحذر ويحترس من الحلفاء الكاذبين. لقد قام كلّ من نظام الأسد وكذلك حكومة المالكي في وقت سابق بتمهيد الطريق لتنظيم داعش، وذلك من خلال عنف الأسد المطلق ودعايته ومن خلال سياسة الإقصاء التي اتّبعتها حكومة المالكي. ولذلك فهما يمثّلان أسباب تقدّم الجهاديين ولا يعتبران جزءًا من الحلّ. وبناءً على ذلك لا يجوز أن يصبح الأسد ولا المالكي حلفاءَ في الحرب على الإرهاب.
لقد أدرك قادة الغرب هذا في حالة المالكي وصاروا يأملون في تشكيل حكومة توافقية برئاسة رئيس الوزراء العراقي المُكَلّف حيدر العبادي. وأمَّا في حالة الأسد يبدو أنَّ بعض السياسيين لا يزالون مخدوعين بخرافته التي تصوّره على أنَّه "الضامن للاستقرار والراعي للأقليات". وللتذكير فلا بدّ من التنويه هنا إلى أنَّ الأسد يصف كلّ من يعارضه بأنَّه إرهابي: سواء كان معارضوه من تلاميذ المدارس أو المتظاهرين السلميين أو مخرجي الأفلام المسيحيين أو المنشقين والمتهربين العلويين من الخدمة العسكرية أو من نساء يعملن في تهريب الأدوية والعقاقير أو من الصحافيين والأطباء.
كما أنَّ ما يفعله شبيحة الأسد مع المدنيين السوريين، تضيف هيلبيرج ليس أفضل من إرهاب تنظيم داعش. يضاف إلى ذلك أنَّ جرائمهم ضدّ الإنسانية - من طعن الأطفال الصغار وعمليات الاغتصاب الجماعي وتعذيب السجناء حتى الموت وتجويع أحياء برمّتها وإلقاء البراميل المتفجّرة على الأحياء المأهولة بالسكّان وكذلك الغارات التي تستهدف المستشفيات والمخابز - هي فوق ذلك جرائم ممنهجة. والفرق الوحيد هو أنَّ الجهاديين يعرضون أعمالهم البشعة في وسائل الإعلام، في حين أنَّ الحكَّام في دمشق يتستّرون على جرائمهم. فتنظيم داعش يتفاخر ونظام الأسد ينكر.
وختاما، تؤكد كريستين هيلبيرج من واقع خبرة ميدانية ورؤية سياسية تستشرف المستقبل أن الدول الغربية تتبع في الشرق الأوسط منذ عدة أعوام سياسة خارجية قصيرة النظر وغير بنّاءة ومنافقة. ولذلك فإنَّ ما نحتاج إليه الآن هو مزيج ذكي من الانخراط والتحفظ في هذه المنطقة. حيثما يوجد خطر يهدّد بوقوع إبادة جماعية أو عندما تقع إبادة جماعية، يجب علينا تحمّل المسؤولية والعمل بكلّ الوسائل من أجل حماية المدنيين - سواء من نظام قاتل مثل النظام السوري أو من الجماعات الإرهابية. يمكننا عندما لا نعود ننادي فقط بحقوق الإنسان، بل كذلك نعمل ونبذل ما في وسعنا من أجل تطبيقها، أن نجعل من أهالي هذه المنطقة حلفاءَ لنا. وعندما نفعل ذلك سوف نستعيد شيئًا مهمًا جدًا بالنسبة لنا في منطقة الشرق الأوسط - أي مصداقيتنا.