أهم مريض في التاريخ
يعتبر هنري غوستاف مولايسن، الذي لم يكن يعرف إلا باسم "المريض إتش إم" للحفاظ على خصوصيته، أهم مريض في تاريخ أمراض المخ، ودماغه نستطيع أن نسميه أشهر أو أغرب دماغ، فما حدث له كان مصيبة عليه، وفتحا علميا على البشرية، وهو تطبيق حي للمثل القائل "مصائب قوم عند قوم فوائد"!
ولد هنري مولايسون في 26 شباط (فبراير) 1926، وفي سن السابعة تعرض لحادث دراجة، وأصبح يعاني نوبات صرع جزئية تحولت مع الوقت إلى نوبات شديدة شملت الدماغ كله، عاناها مولايسون طويلا، وتم عرضه على جراح الأعصاب ويليام بيتشر سكوفيل في مستشفي هارتفورد لتلقي العلاج، ولم يجد لحالته حلا سوى استئصال جزء من دماغه!
وبالفعل خضع هنري للجراحة عام 1953 عندما بلغ السابعة والعشرين، ونجحت العملية في شفائه من الصرع، لكنها دمرت قدرات ذاكرته على الاحتفاظ بالذكريات الجديدة إلا لدقائق معدودة - وهي حالة تعرف باسم فقدان الذاكرة التقدمي، ليس هذا فقط، بل فقد جزءا من ذاكرته لفترة سنتين قبل العملية الجراحية، ثم تطور الوضع لنسيانه بعض الذكريات التي حدثت قبل 11 عاما من العملية، ولكنه استطاع تعلم وإتقان بعض الأعمال والمهارات دون أن يتذكر كيف تعلمها أو المدة التي استغرقها في التعلم، ما أثار استغراب أطبائه.
عاش هنري مولايسون 55 عاما بعد الجراحة التي أجريت له، دون أن يتمكن من تشكيل ذاكرة جديدة واحدة، وفي ذلك الوقت كان يُجرى عديد من الدراسات الوافية حول حالته من قبل عديد من العلماء.
ورغم أن ما حدث لهنري كان مأساة بالنسبة له، إلا أنه قدم أعظم خدمة للبشرية، فقد سمح دماغ هنري مولايسون للعلماء بتحديد جزء معين من الدماغ مسؤول عن الذاكرة يسمى "الهيبوكامبوس"، وهو الجزء الذي تمت إزالته من دماغه. كما أن تدرج فقدانه للذاكرة أظهر للعلماء وجود أنواع مختلفة من الذاكرة "المدى الطويل، المدى القصير، الوعي، واللاوعي"، وأنها لا تقع بالكامل في الهيبوكامبوس. لقد كانت الذاكرة قبل حالة هنري مولايسون مفهوما مجردا، موجودا في الدماغ، ولا تعرف أنواعها ولا أين تحتل من الدماغ.
لم تتوقف خدمة هنري للبشرية عند هذا الحد، فبعد وفاته عام 2008 عن عمر يناهز 82 عاما تمت الموافقة على التبرع بدماغه كاملا لمرصد الدماغ في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، حيث وُضع في قالب جلاتيني وجُمد ثم شُرِح حتى الآن إلى 2401 شريحة، سمك الواحدة منها أقل من مليمتر واحد، يجري حاليا فحصها بدقة عالية جدا.
لقد رحل هنري، ولكنه ترك إرثا من العلم، لا يمكن نسيانه أو محوه!