رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الإقليم.. التوازن المفقود

كلما كان هناك توازن بين الدول الرئيسة في المنطقة عم السلام وقلت المخاطر السياسية وتحسنت البيئة العامة التي تسمح بالنمو والتطور. اختارت إيران توجهات واضحة تتمخض في توظيف الدول العربية لأغراضها القومية تحت غطاء أيديولوجي. النزعة الإيرانية التوسعية أفقدت المنطقة حالة التوازن. فالمنطقة تعيش حالة من عدم التوازن بسبب تدخل الدول الغربية في العراق وأفغانستان وبسبب تنامي دور إيران الذي أتى على حساب الدول العربية لأسباب معقدة، حيث إن إيران تنطلق من منطلقات مختلفة في سلم الرغبة والمرحلة والأيديولوجيا. تفكيك هذه التطورات ومسبباتها صعب لأنه يتطلب القفز بين ما يحمله كل منطلق من مضامين ومعان مختلفة. أجادت إيران القفز بين هذه المنطلقات ما ساعدها على تضليل الكثير. حجم إيران وتجربتها التاريخية وتوجس قادتها من انفتاح على العالم جعلها تجمع كروت مساومة لكي تناور تكتيكيا لهدف استراتيجي. فمثلا أصبحت حيازة السلاح الذري هدفا لإضفاء مركزية على الدور الإيراني في المنطقة، إلا أن الهدف الأسمى هو السيطرة على المنطقة، ولكن تمدد إيران في دول المنطقة كروت لعبة مع الدول الأقوى للمساومة على السلاح الذري. جزئية أخرى تنطلق من هذا القفز بين المفاهيم تتمخض في توظيف الإرهاب ومقارنة ذلك بما يحصل من إرهاب في الجانب السني. فالإرهاب الشيعي منظم ويخدم إيران، ولكن الإرهاب السني لا يخدم أي دولة عربية بل يستغل من جانب إيران وغيرها.
استحقاق المرحلة والأيديولوجيا قاد الدول العربية وآخرين إلى الاعتقاد بأن إيران على وشك الخروج من الحقبة الثورية إلى عصر الدولة الوطنية، ولكن إيران كما يذكر كيسنجر استمرت بقدم في كل حقبة فهي قومية في القلب وأيديولوجية في العقل "تصنيف الكاتب"، هذا الانفصام يجعلها تبيع بضاعة للداخل وبضاعة أخرى للخارج يساعدها على ذلك معرفتها بالمنطقة واللغة العربية. استطاعت إيران تجاوز مرحلة توظيف الإرهاب الخارجي في الأرجنتين ولبنان والكويت وأماكن أخرى ليبقى في ذاكرة العالم تبعات أحداث 09/11 التي لم تنبع من دول عربية تنظيما أو مكانا، ولكنها اتسمت بطابع سني. ولكن إيران بدأت إرهابا أكثر شمولية كما يحدث في سورية دون تنظيم مضاد. مرحليا الدول العربية ليست على وفاق في الغالب وليست مؤهلة في الكفاءة أحيانا أخرى "درجة الإنتاجية والكفاءة العلمية"، التي بدورها تتطلب درجة من الانضباط الذي يأتي تباعا لدرجة الحوكمة. يذكر هنتجتون أن المهم ليس نوع الحكومة بل درجة الحكومة، فأغلب الحكومات العربية لا ترغب في درجة عالية من الحوكمة المطلوبة لرفع الإنتاجية والكفاءة العلمية ما خلق وضعا مختلفا جذريا عن إيران، فالدول الخليجية على سبيل المثال أقوى ماليا ولكنها ليست أقوى اقتصاديا أو علميا، ولذلك هناك وجه آخر لعدم التوازن. ولذلك فإن قوة إيران في غالبها تحدث بسبب تقاعس الدول العربية أكثر منه قوة إيران الذاتية. المنطلق الأهم هو البعد الأيديولوجي، حيث إن إيران تستغل المذهب للتوسع وحتى الحرب بينما الدول العربية لا توظف أهم كرت لديها، فمثلا هناك حشد لجهاد مذهبي منظم في سورية صيغ على أنه دفاع عن مزارات دينية ليمتد شمالا وجنوبا ويقتل الآلاف، بينما هناك توجس وخطوات عملية للحد من توظيف الكرت الديني المهم. فالنزاع العربي - الإسرائيلي قومي في الشق الأكبر منه، ولكن إيران تريد صياغته فيما يناسب المرحلة الأيديولوجية وسياسة التضليل واستخدام الدم العربي ولذلك لن تدخل في نزاع مفتوح مع إسرائيل لن المصالح القومية الإيرانية أهم من الدول العربية.
حالة عدم التوازن تضر بالدول العربية وجاءت نتاج خيارات غير مناسبة وأخطاء في قراءة التصرفات الإيرانية. التعامل مع إيران يبدأ بفهم المنطلقات بدقة ومن ثم صياغة استراتيجية تناسب المرحلة وتوظيف المرونة اللازمة مثل ما تعمل به إيران، أحد هذه الأبعاد هو التعاون مع تركيا لتوسيع الدائرة ودعم الأحزاب الدينية اختياريا في بعض الدول العربية مثل اليمن وسورية والاستمرار في دعم الحكومة المصرية والتعاون مع الدول العربية التي تتشارك هذه الرؤية. الجانب الداخلي هو ضرورة بناء اقتصاديات أكثر إنتاجية وكفاءة علمية تستطيع تطوير السلاح الذاتي. لعل التحدي الإيراني يفتح أذهان العرب على استحقاقات المرحلة تنمويا في نهج مختلف نوعيا لأن النهج السابق لم يرتق إلى التحدي الداخلي والخارجي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي