رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الجدران الناطقة

في أحد الممرات الضيقة في مدينة سان لويس أوبيسبو، تختلط مشاعر المارة بين الانبهار والاشمئزاز من جدرانه المغطاة بقطع العلك الممضوغة، التي تفنن المارة في رسم أجمل اللوحات وكتابة الأشعار وتشكيل قطع فنية من قطع العلك بعد مضغها، ولكن هذا الانبهار لا يخلو من الاشمئزاز، وقد يصل حد الغثيان لدى البعض، عندما يفكر في مصدر هذه القطع التي لاكتها الألسن!
وعندما تُمعن النظر في الجدار ولكن دون لمس ستكتشف أشياء عجيبة ألصقت به، مثل العملات المعدنية التي تشكل عيون الوجوه المرسومة على الجدار، وبعض الكتابات ورسائل الحب المتبادلة، وأغلفة العلك والخيوط وغيرها!
ورغم ذلك يعتبر هذا الجدار الذي يمتد لمسافة 22 مترا ويرتفع لخمسة أمتار أحد أشهر المعالم السياحية في كاليفورنيا، ولا أحد يعرف متى بدأ المارة يلصقون قطع العلك هناك، ولكن المرجح أنها بدأت في مراسم احتفال تخريج دفعة من طلبة ثانوية سانت لويس أوبيسبو بعد الحرب العالمية الثانية، والبعض يقول إنه ناتج عن تنافس بين طلاب ثانوية سانت لويس وكال بولي في الخمسينيات الميلادية، ومن ثم لحق بالركب طلاب الجامعات، وهكذا حتى زادت سماكة طبقات العلك، واشتكى أصحاب المحال المجاورة من وضع الجدران المقزز وغير الصحي، وقامت بلدية المدينة بتنظيفه عام 1970، ولكن العلكة بقيت، وكانت آخر محاولة لتنظيفه سنة 1996 ولكن دون جدوى!
وفي مدينة سياتل ستجد جدارا آخر بالمواصفات نفسها، بدأ الناس يلصقون به قطع العلك الملونة منذ 22 عاما بلا توقف، وذلك في أثناء انتظارهم حجز تذاكرهم في أحد المسارح هناك كنوع من التسلية، إلى أن تحول هذا الجدار وشبابيك الحجز المغطاة بالعلك إلى ثاني أشهر معلم سياحي في سياتل عام 2009 ومكان لتصوير الأفلام والأغاني والتقاط صور للعرسان!
لم يعد للجدران آذان فقط بل عيون ولسان، تحكي مئات القصص عن العابرين، فمن جدران العلك التي تحمل قصص المارة ومشاعرهم إلى الجدران السياسية مثل الجدار العازل في الضفة الغربية من فلسطين المسمى بجدار التوسع العنصري، إذ تجري زيادته وتطويره كل فترة، وبلغ طوله أكثر من 400 كيلو متر، وجدار النصب التذكاري في فيتنام، الذي نحتت عليه الأمريكية مايا لين أسماء أكثر من 58 ألف جندي حاربوا وفقدوا في حرب فيتنام، وجدار السلام، الذي يفصل الطائفة الكاثوليكية عن البروتستانتية لمنع الصراعات، وجدار ريو دي ماري، الذي أقيم لحماية بقايا الغابات الطبيعية هناك، ولكنه تحول إلى جدار عنصري يفصل الفقراء عن الأغنياء، فإذا كانت "الأرض تتكلم عربي"، فالجدران لها ألف لغة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي